"العيب" و"الندم" في برامج التلفزيون

نصر الدين لعياضي
نصر الدين لعياضي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ما هي الأسباب التي أدت إلى انهيار الرئيس التونسي السابق، زين العابدين بن علي، بالسرعة التي لم يتخيّلها أحد؟ سؤال لم يعد يثير الاهتمام، لأننا سمعنا ما يكفي من الأسباب. لكن ما أثار انتباهي هو ما أشار إليه أحد المثقفين التونسيين الذي أكد أن القنوات التلفزيونية التونسية الخاصة، وما بثته من ''برامج تلفزيون الواقع''، ساهمت في الإطاحة بحكم الرئيس المذكور، لأنها أماطت اللثام عن مدى البؤس العاطفي الذي كان يعاني منه الشعب التونسي الشقيق.
لم أستسغ هذا السبب، لأول وهلة، لأنني اعتبرته غير مقنع بتاتا. فالكثير من الأشخاص جعلوا التلفزيون مشجبا، وعلقوا عليه ما يكفي من مشاكل المجتمع. فإذا كان التلفزيون الرسمي التونسي الذي لا يمكن اتهامه بأنه تخلى يوما عن مدح نظام الرئيس المخلوع وتعظيم إنجازاته، لم يشدّ عضده، فكيف لبرامج ''تلفزيون الواقع'' أن تقوّضه؟
''فحماة الايديولوجيا'' يرون أن هذه البرامج وجدت لإلهاء الشباب وصرفهم عن ممارسة السياسة، وإبعادهم عن الاهتمام بالشأن العام، عبر الاستعراض المنتج للفرجة. والفقر والقمع والبؤس العاطفي هي حالات وأوضاع ملموسة عايشها قطاع من التونسيين، في ظل حكم الرئيس المخلوع، وهم واعون بها ولم يبتدعها برنامجا ''جاك المرسول'' الذي تبثه قناة نسمة التلفزيونية، و''المسامح كريم'' الذي تبثه قناة ''حنبعل'' التلفزيونية. فماذا فعل هذان البرنامجان حتى زادا من اندفاع التونسيين للإطاحة بحكم بن علي؟ لعل متابعي القناتين التونسيتين يدركون أن غاية البرنامجين المذكورين تجارية، ولم يقوما سوى بجبر خواطر الأشخاص الذين يأتون إلى الاستوديو، وإصلاح ذات البين بين الأفراد المخاصمين في عائلة واحدة أو بين صديقين أو زوجين طحنتهما الحياة، وفرقتهما الظروف والأهواء.
وبعد تفكير، أدركت أن البرنامجين المذكورين لم ''يصنعا'' الفقر والبؤس العطفي، بل جعلاهما مرئيين أكثـر. فمنطق الثقافة العربية والمغاربية، على وجه التحديد، تتعامل مع مثل هذه المواضيع بنوع من الكتمان والسِتْر. فأبناء هذه الثقافة يتمنون السِتْر في السر والعلن. لقد عانى معظم الجزائريين ظروفا اقتصادية صعبة إبان الاحتلال الفرنسي لبلدهم، وكانت عزة النفس تدفعهم لإخفاء عوزهم عن أنظار الفرنسيين، إلى درجة أن بعض الفلاحين كانوا لا يتردّدون في دهن شواربهم بالزيت حتى يوحوا للمعمّرين أنهم أكلوا أكلا دسما. ومازالت الشعوب التي تعيش تحت خط الفقر، في بعض الدول العربية، تشتري أرجل الدجاج بدل اللحم، لغلاء سعره، وتشويها حتى تُشْعر الجيران أنها تأكل اللحم! قد يقول البعض إن هذا السلوك يجسد قمة الغش والنفاق وحب التظاهر الفارغ، لكنه يعبّر في جوهره عن الخوف من نظرة الآخر. فالفقر، بالنسبة لهؤلاء، مؤلم، لكن إطلاع الغير على درجة فقرهم يكون أكثـر إيلاما من الفقر ذاته! إننا شعب شديد الحساسية لنظرة الغير لنا، وقد عبّرنا عنها بالقول الشائع: (ماذا يقول الناس عنا؟)، وهذه الحساسية المفرطة تفسر لجوء العديد من الأسر العربية إلى تأثيث الصالون أو مجلس الضيوف بأحسن الأثاث، وتنظيفه وتركه مغلقا في أغلب الأحيان، وتحشر كل أفرادها في غرفتين. إنها ترضى بالعيش في الضيق، خوفا من الخجل عند استقبالها للضيف، أو الإحساس بـ''العيب'' بالمفهوم الجزائري.
إن كان الإحساس بالعيب الذي يحدّد العلاقة بالآخر يُعدّ العمود الفقري ''للنفسية العربية''، فإن العمود الفقري في ''النفسية الغربية'' هو الإحساس بالندم الذي يحدّد العلاقة بالذات قبل الآخر، والاعتراف بالخطيئة أمام الكاهن في الديانة المسيحية يعبّر في جوهره عن الرغبة الملحة في التخلص من أوزارها وما تسبّبه من تأنيب الضمير. فكل ما فعلته بعض برامج تلفزيون الواقع في الغرب هو نقل ''الاعتراف'' من الحيّز الضيق (أي مع الكاهن) في مكان مغلق (الكنيسة)، إلى الفضاء العام (التلفزيون) في مجتمع ذابت فيه الجماعة كقوة مرجعية أمام بروز الفرد وإرادته.
لقد بثت القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي برنامج (الحب في خطر)، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وكان يستضيف الزوجين اللذين بلغت علاقتهما مرحلة الخطر، بحضور محلل نفساني يقف خلف الستار، ولا يظهر في الشاشة إلا في نهاية البرنامج، ليقدم لهما الحلول أو النصائح، وكان كلاهما يسرد تفاصيل دقيقة عن علاقتهما الحميمية، والجمهور يتابع بشغف هذا البرنامج دون حرج، والسبب في ذلك أنه يعتبر مثل هذه البرامج متنفسا وامتدادا ''للاعتراف'' الذي ذكرناه آنفا. فإن كانت بعض برامج ''تلفزيون الواقع'' في الغرب قد حوّلت متاعب قوم ومآسيهم إلى مادة للتسلية والفرجة، وحتى للتعلم من تجارب الآخرين، ونجحت في ذلك، فمن الممكن أن تزيد في المآسي في الثقافة العربية التي تنشد التكتم والستر.


*نقلاً عن "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.