.
.
.
.

مسيرة الحرية أو قصة العبودية في موريتانيا

محمد الأمجد

نشر في: آخر تحديث:

رغم العلاقة البنيوية ما بين ملف الرق ومستقبل السلم الاجتماعي من جهة وبناء دولة المواطنة بما تحيل إليه من مساواة وعدالة وندية بين المواطنين من جهة أخري فإن رؤية نخبة "البظان" لواقع الرق وتصور تجاوزه تتميز بالاختلاف والتباين وذلك من خلال التيارات التالية:

ــ تيار تمثله الطبقة التقليدية ويضم الوجهاء وزعماء القبائل والفقهاء والأغلبية الساحقة من المسؤولين في مختلف قطاعات الدولة وكذلك القضاة والموظفين في قطاع العدالة وجل العاملين في حقل الثقافة من جامعيين وإعلاميين ويعبر أصحاب هذا التيار عن موقفهم الرجعي والسلبي من الرق في واقعه وفي النقاش الدائر حوله وذلك من خلا ل مسايرة المجتمع والتواطيء معه في ممارساته الاسترقاقية المباشرة وغير المباشرة، وفي نظري أن الفكرة المؤسسة لهذا الموقف هي استشراء وتمكن النظرة الطبقية التراتبية وتحكمها في الذهن البيظاني الذي يبدو كما لو كان يمتلك مناعة أو قوة خارقة ضد تيار التنوير والحداثة والخروج على فكرة "ما ترك السابق للاحق شيئا".

وهذا التيار هو الذي يوجه ويؤطر موقف الدولة من ملف الرق

ــ تيار السياسيين: يتعامل سياسيو البظان مع ملف الرق اليوم في موريتانيا تعاملا انتخابيا ينطلق من الظرف الانتخابي الآني حيث يختصرون الاهتمام بالموضوع في أنجع وسيلة دعائية انتهازية للحصول علي أكبر نسبة من المصوتين الحراطين أما هموم شريحة الحراطين المتعلقة بالفقروالجهل والإذلال الاجتماعي وغيرها من الأمراض والمصائب الناتجة عن وقوع هذه الشريحة تحت وطأة الرق لقرون طويلة فإن هذه النخبة لا تملك رؤية واضحة للتعامل معها.

وفي الوقت الذي تتزايد وتيرة الحركة المطلبية في شريحة الحراطين نتيجة تنامي الوعي والتوثب نحو الحرية والعدالة الاجتماعية في صفوفها تزداد شرعية التساؤلات المتعلقة بمستقبل العلاقة ما بين الحراطين والبظان.

نخبة البيظان تعاني من الحيرة وعدم وضوح الرؤية ولا تملك تصورا واضحا للتعامل مع شريحة الحراطين الناهضة فهل يعي البظان حركة التاريخ وقانون تداول السيادة (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

أن عدم تفهم البظان لمشاغل وهموم الحراطين اليوم وطبيعة العلاقة الجديدة التي يجب ان ينسجو خيوطها معهم سيشكل خطرا داهما علي التفاهم والتعايش السلمي بين الطرفين ومن خلالهما على مستقبل كيان الدولة الموريتانية ومن التغفيل البين أن تتوهم نخبة البظان اليوم أن احتواء الحراطين عن طريق الترقية السياسية (سياسة التعيينات) أو عن طريق الدمج في القبيلة البيظانية ما زال ممكنا لأن مثقفي الحراطين ونخبتهم السياسية تعتبر النفاذ إلي الوظائف الإدارية والسياسية حقا من حقوق المواطنة كما أنها مدعومة برصيد انتخابي كبير تعمل على تأطيره وتسجل نجاحات كبيرة في سبيل عزله وفصله عن الأسياد السابقين كما أنها ترفض العودة لنظام القبيلة البيظاني لأنه لا يضمن لها الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وهو نظام اجتماعي أيضا أذاقها في الماضي كل أصناف الإقصاء والاضطهاد والإهانة.


ــ تيار الحركة الانعتاقية التنويرية: هذا التيار هو الضوء الذي ينير آخر النفق وبالرغم من ضعف هذا التيار مقابل قوة التيار التقليدي الظلماني الرجعي وبالرغم كذلك من عدم التعاطي الإيجابي معه من طرف المجتمع ومن طرف الدولة والنخبة السياسية البيظانية التي تحدثنا عنها سابقا فإن هذا التيار يسعي جاهدا ليسمع صوته المنطلق من الرؤية الوطنية الجامعة التي تعمل علي تأسيس دولة المواطنة الحقيقية.

إن شرعية الحديث في قضية الرق بموريتانيا تنطلق من عدة مبررات منها المكانة الكبيرة التي يكتسي الموضوع بالنسبة لأطر ومثقفي الحراطين ومنها ثانيا وهي نقطة ترتبط بسابقتها أهمية شريحة الحراطين المعنية قبل غيرها بالموضوع، ومنها ثالثا علاقة الموضوع بحاضر ومستقبل السلم الاجتماعي ببلد مثل موريتانيا تعود مواطنوه التسيب والفوضي ولم يعرف تقاليد الدولة الناظمة، ومنها رابعا تجاوز ثقافة الخوف والكتمان واعتماد المصارحة والمكاشفة منهجا في التعاطي مع القضايا التي يترتب عليها البلاد مستقبل البلاد.

*نقلا عن "الأخبار" الموريتانية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.