.
.
.
.

فلنترك ليبيا للقادرين على استغلال كنوزها غير النفطية !!

عبدالنبي ابوالقاسم عمر

نشر في: آخر تحديث:

أحسست بأن مصاريفي الشهرية أصبحت مرتفعة دون سبب ظاهر، فاقتنيت مذكرة صغيرة مزودة بقلم صغير و دونت فيها مع نهاية كل يوم المبالغ التي خرجت من يدي و من ايدي أفراد الأسرة لتغطية مصاريف تخص البيت و الأسرة على وجه العموم مع بيان بنود الصرف و كذلك المبالغ التي تم سحبها من المصرف بتاريخه ، و رغم أن هذا لم يقلل كثيراً من النقود الغير قابلة للاسترداد مع نهاية الشهر غير أنه أعطاني اطمئناناً الى أن أياً منا لم يُسقِط سهواً بعض النقود في الطريق أو يدفع مرتين مقابل سلعة أو خدمة ابتاعها أو استلمها فضلاً عن أنه نبهنا الى الأوجه التي يمكن الحذر منها و التوفير بالاستعاضة عنها أو تقليلها ، ولكن هذا ليس موضوعنا.

مررت بعيني على البنود الشهرية و تمثلت لي مكوناتها بين السطور ... فواكه من أمريكا الجنوبية أرز من الصين زيت زهرة دوار الشمس من الأردن (مع أنهم لا يزرعون هذه الزهرة) دقيق من المانيا حليب من ايطاليا جبن و زبدة من هولندا شاي من سيلان عصائر من النمسا مكرونة وهريسة من تونس (و حتى الهندي) معجون طماطم من تركيا شامبو من أسبانبا ... و قطَعت زوجتي تسلسل أفكاري بقولها: (خلّي نشوف هالدواء وين مصنوع – ان شاء لله غير مايكونش صناعة ...ية ، كان هذا والله ارّدهولهم) ... و قفزتُ الى صفحة أخرى ، الخبز نشتريه من مخبز يوجد به أحياناً شخص ليبي واحد و أحياناً لا يوجد و ان وجد فان خبرته و حرفيته النادرتين تتمثلان في تحصيل النقود من الزبائن ... الخضروات نشتريها من مواطن مصري جاءته كنتيجة لجهد و خبرة مصريين آخرين في مزرعة سجلت في كتيب حيازة باسم كائن آخر لأن أجداده استقروا بين مصر و تونس قبل استحداث السجل المدني ، العمال الذين يرتبون البضائع على أرفف السوق جاءوا من أقصى شرق آسيا لاسعادنا... مرة أخرى تم قطع هذه المتابعة عندما دخل ابني : (يا بوي يابوي ، آهو صلّحتلك الشبشب اللي تمشي بيه للجامع ، عند السوداني اللي يقعمز في جزيرة الدوران)... و على ذكر الجامع فانني أذكر بكل الخير القيّم الطيب الخلوق الذي يدرس الشريعة بموازات عنايته بالجامع ، و قد يحضر في أحيان نادرة بعض أصحاب الوجوه المألوفة قبل صلاة الفجر و في هذه الحالة بالطبع لا يزاحمهم على الآذان أما ماعدا ذلك فان آذان الفجر كان دائماً بمخارج أعجمية و نكهة غانيّة.

من البنود المدونة كان اصلاح المُبرّد ، حيث وقفت عند احدى الورش المتخصصة و يبدو أنني كنت محظوظاً فلم أجد المالك أو (لِمعَلم) الذي ينحصر دوره في اعطاء الاذن بخدمة الزبون و في الغالب اجابته:(سامحنا ، مش فاضيين هالمدة) و بدلاً من ذلك و جدت جورج (هو كل القوة البشرية الفنية في الورشة) الذي تجاوب معي و أقفل الورشة و انتقل معي بسيارتي الى البيت طالباً مني أن تكون الزيارة سريعة حتى لا يضطر لتأليف قصة (لعرفه) ... كشف جورج على المبرد و حدد لي بعض قطع الغيار لأشتريها من شارع جمال عبدالناصر و أن آتي الى الورشة الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم التالي لنقله مع أدواته ليقوم بالمهمة و هذا ما كان ... الورشة الأخرى التي تعاملت معها في نفس الفترة كانت متخصصة في الأعمال الخشبية حيث تطلبت اصلاحات على الباب الرئيسي للبيت أن يتم فكه و تعديله و اعادة تركيبه ، و هذه المرة كنت سعيداً بحديث صاحب الورشة الذي تطرق الى مسميات و مصطلحات المهنة ، الا أنه أرسل لي حنفي و حسنين للقيام بالعمل ... الأمر لم يختلف عند جاري الذي كان مشغولاً باعمال صيانة موسعة لبيته و قد كان سعيداً بالاتفاق مع سباك باكستاني و أسطي بلاط موريتاني و فنيين لياسة و طلاء من سوريا.

شركات الانشاءات العالمية الكبرى تفضل الاستفادة من العمالة الفنية المحلية نظراً لعامل الاستقرار و توفير تكاليف السفر و الاقامة و التأمين و بالتالي يساهم ذلك في التقليل من تكاليف المشروع ومن خسارة العملة الصعبة مما يعطي وضعاً تنافسياً أفضل و ارتياحاً من جانب الدولة صاحبة المشروع ، الا أنه في حالتنا فان شركات مثل بلفنجر و بوناتي و مان و انتربيتون و جي أند بي ، كلها تستقدم جيوشاً من العاملين ، في الغالب من الدول الآسيوية بينما تبدي سلطاتنا الرسمية تذمرها من هذا التصرف متناسين أننا غير مؤهلين لآداء هذه الأعمال ، ببساطة لأننا نعتقد أن من حقنا أن نفوز بوظيفة في أيٍ من هذه الشركات دون الحاجة للتدريب و التخصص و التأهيل و الخبرة ، و النتيجة أننا نكتفي بوظائف محدودة لدى هذه الشركات تنحصر في عدد من السائقين و الغفراء و موظفي العلاقات العامة من ذوي الخبرة في استعمال الوساطة و الرشوة للتحايل على قوانيننا و ترسيخ انعدام المعاملة على قدم المساواة.

لا داعي للمقارنة بدول متقدمة للتدليل على أننا نعاني من قصور جينيٍ فريد مزمن ، بل يكفي النظر الى أقرب بقعة غير ليبية من العاصمة ، فمن منكم لم يكن في تونس يوماً سواء للسياحة أو العلاج أو العبور ؟... لقد أجهدت نفسي في أحد الأسواق للبحث عن بعض المواد الغذائية المصنّعة أو المستلزمات المنزلية العادية المستوردة من الخارج ، و أطلت النظر الى أعمال الأشغال العامة و انشاء و صيانة الطرق و بناء العمارات العالية أو الانشاءات المعدنية فما وجدت شركة أجنبية أو خبراء أجانب و المدهش أن مشاريعهم تعيش عشرات السنين بعد انجازها ، أضف الى ذلك أن الغالبية العظمى من أهلنا الذين تصادفهم هناك يتلقون العلاج الذي انعدم لدينا و قد يأتي زمن يرسلون أولادهم للمدارس هناك تهريباً لهم من المعلمين و المعلمات الذين يجيدون الاذلال و التحقير و غرس العقد النفسية و مد العصا على طول و عرض الأجساد الصغيرة ... و لو نظرنا الى جيراننا في الجانب الشرقي لرأينا العجب: فقهاء الاخوان تراجعوا عن تحريم الفائدة على قرض من المصرف الدولي و أنا لا أستهجن هذا منهم عندما أرى أنهم اضطروا لذلك من أجل توفير رغيف الخبز ل90 مليون نسمة البالغين منهم يعملون ليلاً و نهاراً بالاستفادة من 3 مليار دولار (مليار لكل 30 مليون نسمة) و نحن نملأ بطوننا من منتجات الكرة الأرضية و نعربد و ندعي و نتبجح و نتطاول و نتعملق بحرق 54 مليار دولار (9 مليار لكل مليون نسمة) و لا نصنع اضافة قبل أن ننام ... و بالعودة الى وضعنا ، هل لاحظتم ان عائدات النفط لا تكاد تلمس الأرض عندنا حتى تطير الى أوكارها لدى حسابات الخدم المجتهدين خارج ليبيا في مجالات الأبحاث و الدراسات و الصناعة و الانشاءات و العلاج الطبي؟ ... أنا أقترح استفتاء الشعب الليبي للتصويت على أحد خيارين:

الخيار الأول : ان تقوم الحكومة باعداد برناج زمني للتخلص من القطاع العام مروراً ببرامج التدريب و التأهيل في جميع المجالات الفنية و التقنية الحديثة و انشاء القوانين الراعية للقطاع الخاص و تقديم القروض في كل المستويات من الصناعات الصغرى و مكاتب الدراسات للشباب الى الصناعات المتوسطة و فوق المتوسطة وبالتالي القضاء على الوضع البائس السمج الفريد المتمثل في أن الحكومة تقوم بتوظيف التعداد السكاني و تدفع مرتبات من دخل النفط دون عائد يذكر على تلك المرتبات ، و بدلاً من ذلك توظف عائدات النفط في انشاء البنية التحتية للمواصلات و السياحة بجميع أنواعها (الآثار و الشواطيء و الواحات و البحيرات الصحراوية ) و وسائل الطاقة المتجددة و تجارة العبور و النقل الجوي و البري و البحري ... ألخ ،اضافة الى تقديم الدعم من عائدات النفط الى القطاع الخاص حتى نهوضه و الصرف على مشاريع الدولة الراعية للمعاقين و الأرامل و الأيتام و أسر الشهداء و المتقاعدين.

الخيار الثاني : أن نتعاقد مع شركة عالمية كبرى لأنتاج النفط و تسويقه و استلام عائداته نيابة عنا ثم ترسل لكلٍ منا نصيبه في الدولة التي يختار العيش فيها ، حيث أننا سنعيش في دول تنتج الغذاء و الدواء و تقدم الخدمات بدلاً من دفع تكاليف استيراد المواد و استقدام الخدمات الى ليبيا و سنوفر تكاليف خدمات مصرف ليبيا المركزي و معاملاته مع الأجهزة النقدية الدولية مع عمولات التحويل الباهضة ناهيك عن تكاليف و مرتبات و مهمات ادارة التسويق بالمؤسسة الوطنية للنفط ... و سنسلم الرقعة الجغرافية المسماة ليبيا الى الأمم المتحدة لاستقدام أعداد من القادرين على الاستفادة من امكانياتها السياحية و الزراعية و الخدمية تحت اشرافها ... و سنطلب من الأمم المتحدة أنه عند نضوب مخزوننا النفطي عليهم اعطاء الأولوية لأحفادنا للعودة الى بلادهم و العمل في غسيل السيارات و كنس الشوارع و تسليك المجاري.

و فقنا لله جميعاً و سدد خطى العاملين باخلاص و هدى الضالين منا الى سواء السبيل.

* نقلا عن "الوطن" الليبية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.