العاطفة الشعبية الدينية وسؤال المرجعية

أسماء بن قادة
أسماء بن قادة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

رواج سوق البرامج الدينية ومهرجانات الخطابة على شاشات الفضائيات العربية، يفرض طرح مجموعة من التساؤلات ذات أبعاد استراتيجية حول آليات ضبط العاطفة الشعبية الدينية عندنا، حتى لا تكون مجالا للاستقطاب والاستغلال الديني ـ السياسي من جهة، وعن مدى أهمية تكريس محددات ثابتة للمرجعية الدينية قرآنا وسنة ومذهبا فقهيا وطريقا مسلكيا وامتدادا تاريخيا وجغرافيا ومنظومة عرفية وعرفانية ومشروعا تنويريا، بكل ما يتضمنه من انفتاح وما يتفاعل معه من مجالات التقابس والتمازج مع مختلف الحضارات. إن ما تشهده الساحة العربية على المستوى الإعلامي يتطلب التأمل والتوقف كثيرا عند آثار ذلك النوع من الخطاب النمطي المتشنج والمرتبك، والذي يخلو من السؤال والنقاش والفكرة والعمق، مع تركيزه على أسلوب الاستعراض والحكاية والسرد إلى النهاية.

ولا يختلف المشهد كثيرا عبر شاشة أخرى، حيث يتصدر المجلس رجل فرد ثم تتحولق حوله المئات وهم يتلقون ويلقنون، بينما هو في جهد جهيد من محاولات توظيف المحسنات البديعية، مستخدما كل طباق وجناس، مصرّا على استخدام عبارات مثل ''لابد وينبغي ويجب'' وغيرها من أساليب الدعاية الأبوية الحتمية القائمة على الوصاية، يكمل ذلك ما يقوم به بعض الدعاة الجدد الذين يظنون أن التصوير في اليابان أو ماليزيا والتغيير في ديكور الاستوديو والتصوير العالي الدقة والثلاثي الأبعاد سيغيّر شيئا من منظومة التفكير والسلوك، بعيدا عن الدراسات العلمية الجادة لظاهرة معينة أو سلوك محدد.

في إطار هذه الفوضى التفاعلية المعقدة، وبعد أن تجاوزنا ما خلّفته جدليات الهوية التي أعقبت مرحلة ما بعد الاستعمار من صدام كان مكلفا جدا، أصبح ضروريا الاجتهاد والعمل على مزيد من التغلغل والترسيخ للكينونة الحضارية والدينية والثقافية والمرجعية الكُلانية الجزائرية، حتى لا يقع شبابنا مرة أخرى ضحية تأثير وسائل مستجدة وفواعل جدد، بعدما خلّفه إنزال الأشرطة والكتيبات وبعض الوعاظ والدعاة من الخارج للداخل، في مرحلة السبعينيات والثمانينيات، من محن ومصائب، وكأن شبابنا جيش احتياط لمركزيات هنا وهناك محليا وإقليميا، ومن ثم لابد من التركيز على أثر التفاعلات والاتصالات غير المرئية ومتابعتها عبر مقاربات ومنهجيات جديدة، تهدف إلى العمل على بناء استراتيجية متكاملة تقوم عليها مجموعة من القطاعات التي تشمل التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والشؤون الدينية والثقافة والإعلام والاتصال، حيث تعمل جميعها على بناء الشخصية الوطنية الواعية، المتوازنة، المعتزة بانتمائها الجزائري بكل أبعاده، والمنفتحة على كل الحضارات، ولا حواجز لديها من التواصل والإسهام في أي مشترك إنساني.


كما أنه لا مفرّ من السعي لبناء مشروع تنوير حقيقي، يقوم على رد الاعتبار للعقل المعني بالقراءة والاجتهاد، فنحن كمسلمين ننتمي جميعا لمدرسة ''اقرأ'' قراءة بكل اللغات ولكل الحضارات وكل العلوم ولكل المدارس ولكل ما في الكون، على اعتبار أن الوصاية هي العدو الأكبر لكلمة ''اقرأ''، وبالتالي العدوّ الأخطر للدين، من منطلق أنها تؤسس للجهل المقدس. ولا يمكن الإبداع في تفعيل مشروع التنوير، دون فكّ القداسة عن اجتهادات الأشخاص، وفكّ القداسة في هذا السياق، لا يعني قلّة تقدير لكل من حاز على قدر من العلم والمعرفة، ولكنه يرمي إلى الوقاية مما يمكن أن يؤدي إليه تقديس الأشخاص، ومن ثم الفتاوى الصادرة عنهم من مآلات لا تحمد عقباها، مثل هلاك الأفراد وتفكك المجتمعات وانهيار الدول وضياع المقدرات، فالتنوير يخلصنا من ثقافة البطل، ويخرجنا من دائرة الأشخاص، إلى عالم الأفكار وينقلنا من كاريزما القلب إلى كاريزما العقل.

واستكمالا لتلك الاستراتيجية التي من شأنها توجيه العاطفة الدينية، الاهتمام بموضوع الفتوى بكل اشتراطاته المتمثلة في فقه الواقع والزمان والمكان.. الخ وفي واقع مثل واقعنا العربي الزاخر بالإشكاليات المعقدة والتفاعلات المتسارعة والأزمات المركبة، تعتبر أي فتوى في غير محلها أشبه بقنبلة ذرية، بما يمكن أن تخلفة من مصائب، الأمر الذي يفرض تساؤلا غاية في الأهمية، عن المؤهل حقا لإصدار الفتاوى، لواقع تتعدد أطرافه والقوى الفاعلة فيه، وتختلف تركيبته الاجتماعية والدينية والطائفية والسياسية، وتخضع فيه الدول لمجموعة من التوازنات الجيو ـ سياسية والاستراتيجية والمصالح الاقتصادية، ولأنظمة توازن القوى الإقليمية والدولية، فضلا عن تأثير الإعلام الجديد الذي دخل المعركة بقوة، بدءا بشاهد العيان وانتهاء ببناء سيناريوهات وإنتاج برامج لتوظيفها في المعارك العسكرية عند الحاجة.

والسؤال المباشر الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا جميعا وبكل صراحة وجرأة، يدور حول من مِن شيوخ الدين يملك اليوم القدرة على استيعاب كل هذا التعقيد؟ هذا إذا انطلقنا من حسن الظن وسلامة النية. وأنا أفكر في السؤال، تذكرت ما قاله لي أحد كبار الأكاديميين العرب، من أنه لا يعتبر عالما جديرا بإصدار الفتوى في هذا العصر، من لا يتمكن من لغتين أجنبيتين على الأقل، يستطيع من خلالهما استيعاب ما يجري على مستوى النظام الدولي، فضلا على مداخل أخرى من العلوم الإنسانية، توفر له بالتعاون مع مؤسسات راسخة في العلم، بعض القدرة على قراءة شركائه في العالم وفقا لمعطيات صحيحة، قبل استصدار أي فتوى، تتعلق بنفس من قتلها بغير حق، وكأنما قتل كل من على الأرض من بشر.

ولا تستكمل استراتيجية توجيه العاطفة الدينية، دون إشراك الإعلام العام والخاص، المتوافق على المرجعية السيادية الوطنية منها والدينية، في خدمة أبعادها ومشروعها التنويري، بدلا من أن يكون وسيلة اختراق واستقطاب لعناصر ومصالح وأجندات خارجية بعلم أو دون علم.
إنها استراتيجية لتوجيه العاطفة الشعبية الدينية عندنا، بشكل يحد من آثار التغذية الارتجاعية للتفاعلات بيننا وبين البيئة الخارجية.

نقلاً عن صحيفة" الخبر الجزائرية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.