تجارة جديدة

نصر الدين لعياضي
نصر الدين لعياضي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

كان أحد الزملاء العرب يمزح عندما قال يبدو أن أقسام التجارة في الجامعات الجزائرية أنشأت تخصصا جديدا، وهو التجارة بالدم، وأغلقت تخصص المحاسبة. وعندما سألته عن السبب، ردّ قائلا: من يقرأ بعض الصحف الجزائرية، يشعر أن خرّيجي التخصص الجديد في أقسام التجارة هم الذين أصبحوا يكتبون عن اختطاف الأطفال والقُصّر وقتلهم.

لم أستسغ مزاحه قط، ليس بحكم الوازع الوطني فقط، بل أيضا لانتسابي إلى العاملين في حقل الإعلام، والمهمومين بمشاكله. لكن، من يراجع ما نشرته بعض الصحف الجزائرية عن استفحال العنف في البيت، والمدرسة، والملاعب والشارع الجزائري، والاختطاف، والاعتداءات الجنسية، يفكر مليا فيما قاله زميلي، بعيدا عن كل مزاح أو مغالاة، وبمنأى عن كل نزعة شوفينية أو ''نخوة'' مهنية.

لقد لفتت تغطية وسائل الإعلام، وخاصة الصحف، لاختطاف الأطفال نظر العديد من الأخصائيين في علم النفس، ولن تكون ''حميدة غرفي'' آخرهم. لقد أكدت هذه الأخيرة، في حديث صحفي أجرته معها صحيفة الوطن يوم 26 مارس الماضي، أن بعض الصحف الجزائرية، خاصة الصادرة باللغة العربية، غطت عمليات اختطاف الأطفال بطريقة صادمة. وإن شاطرها بعض القراء الرأي، فهناك من رأى أنه مهما كانت الصدمة التي أحدثتها الكتابة الصحفية عن هذه الظاهرة لدى القراء، فهي أخف من وقع الظاهرة ذاتها على المجتمع. ولم يتردّد بعضهم في اتهام هذه الأخصائية بأنها تطالب، ضمنيا، الصحف بالكف عن الكتابة عن هذه الظاهرة، حماية لنفسية الأطفال والنشء الصاعد.

يمكن أن نتساءل عن الهدف الذي تتوخاه الصحف من نشر أخبار الاختطاف والجريمة والعنف التي لا يمكن لأي عاقل أن يسكت عنها أو يتجاهلها؟ هل هو إعلام القارئ بما يجري في مجتمعه باسم الدفاع عن حقه في الإعلام والمعرفة؟ وهل هي الرغبة في زيادة سحب الصحف ورفع عدد مبيعاتها؟ وهل هي النية المبيّتة في ترويع الجزائريين وشلّ تفكيرهم بالمبالغة في تخويفهم؟ قد يحتج البعض على هذه الأسئلة، وهم محقون في ذلك، بالقول إنها تستبعد سعي الصحف إلى تحقيق هدفين في آن واحد، وهما: تلبية حق المواطن في الإعلام وحق الصحيفة المشروع في رفع عدد مبيعاتها، وزيادة عائدها المالي من الإعلانات.

يشك الكثير من القراء في أن تكمن غاية بعض الصحف من نشر أخبار الجريمة والاختطاف والاعتداءات في الإعلام! وللتأكد من ذلك، يمكن العودة إلى الخبر الذي نشرته إحدى الصحف الجزائرية في عددها الصادر يوم 13 مارس الماضي، تحت عنوان: ''متهمان يعترفان بمسؤوليتهما عن جريمة قتل الطفلين هارون وإبراهيم أمام الشرطة''، والذي ''بشر'' القراء بإلقاء القبض على المتهمين بارتكاب الجريمة بالاستناد إلى مصادر أمنية. وذكر أن الطفلين قتلا خنقا ولم تتعرّض جثتيهما لتنكيل، استنادا إلى النائب العام لدى محكمة قسنطينة. لكن كاتب الخبر ألح في خاتمة خبره على القول إن الطفلين قد وجدا مقطوعي الأوصال، ورأسيهما مفصولان عن جسديهما، وتم التنكيل بجثتيهما! وبهذا، نفى تصريح النائب العام دون الاستعانة بأي مصدر آخر. فلم يستند في نفيه هذا إلى شهود عيان أو مصلحة الطب الشرعي بقسنطينة أو موظف في مصلحة حفظ الجثث بالمستشفى، ولا أهل الضحيتين. إذًا، ما هي الغاية من هذا الإلحاح، إن لم يكن التهويل والترويع والتجارة بدم الضحايا؟

الكل يدرك أن أخبار الجريمة والاعتداءات الجنسية كانت أو كادت تكون من المواضيع المحرّمة على الصحف الجزائرية، خلال العقود الثلاثة التي تلت استقلال الجزائر. ولم تتطرّق إليها إلا عبر بلاغات الأمن الوطني أو جهاز العدالة باقتضاب وبلغة متقشفة. وبعد ''الانفتاح الإعلامي''، ظهرت الصحافة ''الصفراء'' التي بدأت تقتات من هذه الأخبار باستخدام أدوات العمل القديمة، أي الاكتفاء بالبلاغات التي تصلها من الجهات المختصة، دون البحث عن التفاصيل من مصادر أخرى والتأكد من مصداقيتها، ومتابعة تطوّراتها.

ويحضرني في هذا المقام ذاك الخبر الذي نشرته إحدى الصحف المذكورة، والذي مفاده أن شخصا دخل إلى بيته فوجد زوجته مع عيشقها، فقتلها وقتله وانتحر. وأكد كاتبه عدم وجود من شهد أو سمع ما جرى، فعلق عليه أحد القراء في موقع الصحيفة الإلكتروني متسائلا: وأين كنت حتى عرفت ما جرى؟

إن التجارب العالمية تؤكد أن صحافة الإثارة ممارسة تستند إلى قواعد وتحكمها قوانين وأخلاق، ولا تقوم على العناوين البراقة والخادعة والصور الصادمة المخضبة بالدم، والمصادر المفبركة التي يُقال عنها دائما إنها رفضت ذكر اسمها. إنها، باختصار، تقدم عملا مسؤولا، تحاسب عليه في المحاكم والهيئات المكلفة بأخلاق المهنة، ومن القراء وجمعيات المجتمع المدني. فرغم كل ما يقال عن هذه الصحافة في الغرب، إلا أنها قدمت للقارئ معارف في مجال القانون، وعلم الجريمة، والطب، وعلم النفس واللغة. وشتان بينها وبين ما نقرأه في بعض الصحف الجزائرية.

نقلاً عن "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.