.
.
.
.

وامصيبتاه‮...!‬

جمال لعلامي

نشر في: آخر تحديث:

سألني أحد الزملاء، عن سبب عدم الاهتمام كثيرا بموضوع نهب أو تبديد ما قيمته 20 مليار سنتيم، في إحدى الشركات، فلم أجد ما أردّ به على الزميل، سوى أنني قلت له بأن الـ20 مليار سنتيم، التي تتحدث عنها، لا تساوي شيئا بالنسبة للأرقام التي نـُشرت بشأن قضايا الفساد، والمقدّرة‮ ‬بآلاف‮ ‬المليارات‮ ‬من‮ ‬الأورو‮ ‬والدينار‮ ‬والدولار،‮ ‬أفلا‮ ‬تستحي‮ ‬يا‮ ‬صديقي‮ ‬من‮ ‬الحديث‮ ‬عن‮ ‬هذه‮ ‬العشرين‮ ‬مليار‮ ‬سنتيم‮ ‬فقط؟

..وامصيبتاه، 20 مليار سنتيم، أصبحت بسبب تهاطل الفساد، فتاتا لا يستحق الثرثرة، فاللهمّ حوالينا ولا علينا، ونحن نكاد نغرق في مستنقع النهب والنصب والاحتيال، ولعلّ مصيبة المصائب، أن الفساد دخل المزادات العلنية، وأصبح كلّ مفسد يرفع قيمة الأموال المسروقة أو المحوّلة‮ ‬أو‮ ‬المستفيد‮ ‬منها‮ ‬كرشوة‮ ‬أو‮ ‬عمولة،‮ ‬حتى‮ ‬إذا‮ ‬جدّ‮ ‬الجدّ‮ ‬فاز‮ ‬بجائزة‮ ‬نوبل‮ ‬للفساد‮ ‬والمفسدين‮!‬



نعم، ماذا تساوي 20 مليار سنتيم، أمام الـ1.5 مليار دولار التي تسبّبت بها الخليفة في إفلاس الخزينة العمومية، والـ256 مليون دولار التي يُقال أن شكيب خليل نتفها كرشوة للصفقات المشبوهة في سوناطراك، وماذا تساوي أيضا بالنسبة لـ430 مليون دولار التي اقتطعها عاشور عبد‮ ‬الرحمان‮ ‬من‮ ‬البنك‮ ‬الوطني‮ ‬الجزائري؟

..بالفعل، الـ20 مليار سنتيم، تحوّلت إلى مجرّد لقمة لا تسدّ رمق "الباندية" والسرّاق الذين يمدون أيديهم وأرجلهم إلى بيت مال الجزائريين، والأخطر، من هذا، أن الرأي العام لم يعد "يقنع" بنشر أخبار تقتصر على السرقات الصغيرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وعندما تنشر‮ ‬خبرا‮ ‬يتعلق‮ ‬بسرقة‮ ‬20‮ ‬مليارا‮ "‬فقط‮" ‬بعد‮ ‬أيام‮ ‬قليلة‮ ‬من‮ ‬نشر‮ ‬خبر‮ ‬يخصّ‮ ‬سرقة‮ ‬ألفي‮ ‬مليار،‮ ‬فإن‮ ‬القارئ‮ ‬يتفـّه‮ ‬الخبر‮ ‬والرقم‮ ‬الأول،‮ ‬لأنه‮ ‬ببساطة‮ ‬تعوّد‮ ‬على‮ ‬الأرقام‮ ‬الكبيرة‮!‬

يكاد يقتلنا اليأس والقنوط، وهذا الاستفزاز الذي يصنعه مفسدون "ما يخافوش ربّي"، ولأن الأرقام والملايير مهولة، فإن المتابع أحيانا يعتقد أن الأمر يتعلق بفيلم إثارة فقط، وأن كل الذي يُعلن ويُكتشف، ليس إلاّ سرابا وبعيدا عن الحقيقة، لكن شهادات واعترافات المتورطين‮ ‬ودفاتر‮ ‬التحقيقات‮ ‬تؤكد‮ ‬في‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬زاوية،‮ ‬أن‮ ‬الذي‮ ‬يجري‮ ‬هو‮ ‬واقع‮ ‬مرّ‮ ‬ومؤسف‮ ‬وحقيقة‮ ‬لا‮ ‬يُمكن‮ ‬دسّ‮ ‬شمسها‮ ‬بأيّ‮ ‬غربال‮!‬

هي لعبة الأرقام، ولعبة "اسرق واهرب"، ولذلك أصبحت سرقة 20 مليارا لا تعني شيئا، مادام هناك سرقات شملت 20 مليارا، لكن ليس بالسنتيم، ولكن بالدينار والأورو والدولار، وهذه الطامة الكبرى في فساد أصبح المفسدون من أجله يرفعون يافطة: في الفساد عاند ولا تحسد!

مصيبتنا أن البعض يُحاول "أفسدة المجتمع"، من خلال أفسدة الحكومة وأفسدة الأحزاب وأفسدة الإدارة وأفسدة الشركات وأفسدة البرلمان والمجالس المحلية وأفسدة كلّ المسؤولين، وأفسدة المجتمع المدني والجمعيات، وبالتالي أفسدة الفساد، وأفسدة المفسدين، بما يكرّس أنسنة التعاملات‮ ‬الفاسدة‮ ‬حتى‮ ‬يصبح‮ ‬الفساد‮ ‬مثل‮ ‬الخبز‮ ‬الذي‮ ‬يتزاحم‮ ‬عليه‮ ‬الناس‮ ‬يوميا‮!‬

من الطبيعي أن لا أكترث أنا ولا تكترث أنت ولا يكترث هؤلاء وأولئك لسرقة 20 مليار سنتيم، في ظل شبكة أجور تسوّي بين "المحظوظين" والمفسدين، وفي ظل تحريض المزلوطين على النهب، والفساد كطريق وحيد للعيش الكريم، أو بالأحرى للعيش خارج القانون والأخلاق!

*نقلا عن صحيفة "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.