.
.
.
.

دستور‮ ‬معدّل‮ ‬أم‮ ‬مصحح‮ !!‬؟؟

فوزي اوصديق

نشر في: آخر تحديث:

الدستور الحالي، أي دستور الأزمة ومنذ نشأته سنة 1989، عرف العديد من التعديلات، وليس التصحيحات أو التحسينات حسبما يتطلبه الواقع الجزائري، وتحولاته الجذرية. ومنذ عام 1999، أي منذ اعتلاء الرئيس بوتفليقة الرئاسة، وفي غضون أحد عشر عاماً عرف الدستور ثلاث تعديلات، وذلك مؤشر آخر على عدم الاستقرار في الرؤية. ويوحي بالصراعات في صياغة مشروع دستور أمة دولة وليس دستور دولة فرد أو شخص أو مجموعة. فالدساتير الجزائرية كلها خادمة لمرحلة وكاشفة لأزمات، بقدر ما هي مؤسسة لدولة ولبناء هيكلي ومؤسساتي يصمد مع رؤساء ولا يزول بزوالهم. فالتعديلات أو التصحيحات أو التنقيحات بالجزائر عادة ما تأتي لتفريغ روح الدستور وحيويته. لأن التعديلات على غرار الدول الأخرى تأتي لمواكبة تغيرات جذرية حاصلة في المجتمع، أو لتعزيز دولة القانون وسيادته، ومنظومة حقوق الإنسان.... الخ.

لكن‮!! ‬وكما‮ ‬يبدو،‮ ‬أننا‮ ‬لم‮ ‬نصل‮ ‬لهذا‮ ‬الفهم‮ ‬بعد،‮ ‬والكل‮ ‬يزعم‮ ‬أن‮ ‬أي‮ ‬تعديل‮ ‬هو‮ ‬منعرج‮ ‬تاريخي‮ ‬في‮ ‬حياة‮ ‬الأمة،‮ ‬أو‮ ‬فكرة‮ ‬لم‮ ‬تجسد‮ ‬قبل‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬مارس‮ ‬أو‮ ‬زاول‮ ‬السلطة،‮ ‬أو،‮ ‬أو‮.... ‬الخ‮.‬

فحتى التعديلات الحالية، تشعرني بأنها نوع من الكيدية والتحايل في إقرارها بدلا من الاستناد للشرعية الشعبية، وصندوق الانتخاب، أو إلى لجنة تأسيسية لتحديد محاور التعديل أو المواد القابلة للتعديل، قتلنا روح التعديل باستدعاء وليس بالتشاور مع أحزاب وجمعيات، أحيانا لا تمثل إلا رئيس، ولا آثار لها في الشارع، وأغرقنا الإصلاحات، في إصلاحات مضادة، وجزئيات لا معنى لها، وبعد سنتين، نحاول إحياءها في ظل غموض عن الحصيلة الأولية للاستدعاء بإنشاء لجنة تقنية قد تمثل جهة.

وليس‮ ‬بالضرورة‮ ‬التوافق‮ ‬المنشود‮ ‬والمفترض‮ ‬في‮ ‬أية‮ ‬وثيقة‮ ‬دستورية،‮ ‬بدون‮ ‬خارطة‮ ‬طريق‮ ‬مسبقة‮ ‬لإقرارها‮.‬

فالدول، وسيادة القانون لا تبنى بالمزاج والارتجالية والغموض، بقدر ما تؤسس بالإجماع والتوافق والوضوح وبخطوات معروفة مسبقاً. وإنني أتعجب من البعض، الذي يحاول ركوب الموجة وجعل المنافي للتقاليد الدستورية موافقا، أو جعل شعبية الأحزاب المجهرية و الكرتونية منافسة للشعبية الجماهيرية، فالدساتير لا تؤسس بهذا المنطق..!! وإنني لأخوض في جدال المحاور القابلة للتعديل رغم إلحاح العديد ـ والله أعلم ـ كم أتلقى من رسائل بهذا الخصوص لقناعتي بعدم الجدوى، وأن اللعب مغلق مسبقاً، وقوة الكلمة قد لا تجدي أو تنفع، وبالتالي فالامتناع أصبح مسؤولية. كما انني أعتقد أن التعديلات ـ أو عفوا ـ التحسينات ستكون مجرد تعديلات تقنية قانونية دون أن ترتقي للتعديل الجذري، أو لطموحات العديد من أفراد الشعب .. فمعذرة لهؤلاء، والانسحاب أحياناً أفضل من الدخول في مسرحيةٍ قد لا تُعرف فصولها ولا نهايتها ولا حتى‮ ‬النص‮ ‬الواجب‮ ‬اداؤه‮.‬

وأخيراً، فإنني قد أحيل الكثير ممن يسألني لأبجديات القانون الدستوري، حول القيمة القانونية للدستور من حيث الحجة والشرعية، لآليات إرسائها. وللعديد من الدول، سواء المتحضرة أو "جمهوريات الموز" التي ضاعت وثائقها الدستورية، بأخذ المدة الكافية، وبالمشورة غير الملزمة، وتوسيع القواعد، فعرفت العفو والاستقرار، فإقرار الدستور ليس استثناء جزائريا أو بدعة جزائرية، بقدر ما هو ممارسة مستقر عليها في العديد من الدول. فالكيدية قد تصدمه لمدة، ولن تصمد مع مرور الزمن وطول المدة.

وما‮ ‬نريد‮ ‬إلا‮ ‬الإصلاح‮ ‬ما‮ ‬استطعنا،‮ ‬وما‮ ‬توفيقي‮ ‬إلا‮ ‬بالله،‮ ‬ومعذرة‮ ‬مرة‮ ‬اخرى،‮ ‬فهذه‮ ‬قناعتي‮ ‬وتلك‮ ‬مبرراتي‮.‬

نقلاً عن صحيفة "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.