فياغرا عسكرية للعجز السياسي

بشير حمادي
بشير حمادي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تساءلت في موضوع بعنوان "فياغرا إعلامية للعجز السياسي" صادر بيومية الأصيل عدد يوم السبت 12 سبتمبر 1998 كيف يمكن لأقلية الأقلية السياسية أن تصبح قوة مؤثرة، ويعلو صوتها على كل أصوات رموز الأغلبية؟

وقلت أن أحد مصادر قوة هؤلاء هو الإعلام، وهو نتيجة الاختلال الفاضح في المعادلة السياسية ـ الإعلامية. فقد شكلت عناوين إعلامية خاصة منابر أساسية للأقلية، وتشكلت "كتائب" من هذه الترسانة الإعلامية الخاصة، مهمتها الجلد اليومي لضمير الشعب "ليعقل ويتحرر" من كل معتقداته وقيمه الروحية والأخلاقية، وتحول بعضها إلى ما يشبه"فياغرا إعلامية" لعلاج العجز السياسي، وتحويل "الخصيان السياسيين" إلى فحول لـ"يزنوا" علنا في كل ما هو مقدس أو مبجل عند هذا الشعب "المحافظ" الذي يرفض الإنسياق كقطيع إلى حظيرة هؤلاء الغلمان وأسيادهم.

وقلت أن مشكلة هؤلاء "الفحول السياسيين" الملقحين "بالفياغرا الإعلامية " أن99,99٪ من الشعب فحل بالطبع والوراثة، حتى أن العامة يقولون عن المرأة فلانة "فحلة"، وبالتالي فالشعب‮ ‬لا‮ ‬يحتاج‮ ‬إلى‮ ‬العاجزين‮ ‬جنسيا‮ ‬أو‮ ‬سياسيا‮ ‬لتولي‮ ‬أمره،‮ ‬فمن‮ ‬شروط‮ ‬الإمامة‮ ‬عند‮ ‬المسلمين‮ ‬الفحولة، ‬لكن‮ ‬جماعة‮ "الفياغرا‮ ‬الإعلامية‮" ‬يتطلعون‮ ‬ليوم‮ ‬ينصبون‮ ‬فيه‮ "‬كافور" ‬الألفية‮ ‬الثالثة‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮.


ولم أكن أتوقع أن اضطر في يوم ما إلى استعمال نفس المصطلح مع بعض التحوير، فالسياسيون الذين قصدتهم في عقد التسعينيات خرجوا من رحم الدبابة، أو من صلب من يوجد بداخلها، سيفهم الإعلام، وترسهم الإدارة أما الذين يتغزلون اليوم بالمؤسسة العسكرية لتقف موقفا سلبيا أو ايجابيا لإنقاذ البلاد والعباد من السياسيين، فهم في حاجة ماسة إلى "فياغرا عسكرية للعجز السياسي".

لست أدري إن كان هؤلاء هواة أم محترفي سياسة، دراسة وممارسة، وإن كان هؤلاء قد أدوا واجبهم الوطني في صفوف المؤسسة العسكرية، فالقاعدة التي تقوم عليها العلاقة العسكرية هي: نفذ ثم احتج، في حين تقوم اللعبة السياسية على قاعدة احتج ثم نفذ، وقد تستمر في الإحتجاج حتى بعد صدور القرار أو القانون بالأغلبية، وترفض التنفيذ.

والقاعدة العسكرية هي أن تقف عند حديثك مع من يعلوك مرتبة على بعد ستة أمتار وفي وضع الإستعداد، والقاعدة في اللعبة السياسية هي أن تقف حيثما شئت يمينا أو يسارا وراء أو أماما، وأن تبتعد إلى حد القطيعة أو تقترب إلى درجة الإحتكاك أحيانا والمسك بزمارة رقبة من يعلوك مرتبة ويخالفك الرأي.

ولاداعي للدخول في مقارنة طويلة بين قواعد الإنضباط العسكري، وقواعد الممارسة السياسية، واكتفي بالقول إن من يسعى للحصول على "فياغرا عسكرية" لعجزه السياسي، لايصلح لأن يكون هاويا في لعبة السياسة.

عندما قرأت حديث بعض الساسة عن ضرورة تدخل الجيش لحماية البلاد والعباد من الفساد والمفسدين عادت بي الذاكرة إلى سؤال طرحته في موضوع "ثقافة الإنهزام" صادر في يومية "المحقق" بتاريخ 18 مارس 1999: هل العسكر هم الذين أفسدوا السياسيين والإداريين بتدخلاتهم في مهامهم، أم أن السياسيين والإداريين هم الذين أفسدوا الكثير من العسكريين بجرهم إلى الساحة السياسية بولائهم الأعمى الذي‮ ‬لا‮ ‬يريدون‮ ‬منه‮ ‬فطاما‮؟‬


ولم أجب عن السؤال.. وكانت الإجابة من المؤسسة العسكرية في افتتاحية العدد 427 من مجلة الجيش بالقول : "إن الأوساط التي تظن أنها مضطلعة بمهمة الدفاع عن الجمهورية هي التي تروج هنا وهناك شائعات تهدف إلى المساس بسمعة المؤسسة العسكرية واصفة إياها بالملهمة ومركز كل قرار،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تحميلها‮ ‬بدهاء‮ ‬مسبقا‮ ‬الأزمة‮ ‬التي‮ ‬تمر‮ ‬بها‮ ‬بلادنا،‮ ‬مخفية‮ ‬بذلك‮ ‬إخفاقاتها‮ ‬هي‮ ‬نفسها‮".


ولكن اليوم أجيب عن السؤال، لأن ماتدعو إليه أحزاب وجمعيات، أخطر بكثير مما كانت تدعو إليه أحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي تجمعت فيما أسمته "لجنة انقاذ الجزائر" والتي كان أبرز رموزها المرحوم عبد الحق بن حمودة وسعيد سعدي ورضا مالك، فأولئك قدروا أن الطاعون والكوليرا المقصود بهما " الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجبهة التحرير الوطني" يشكلان خطرا قاتلا على المجتمع برمته، فهددوا باستعمال العنف، ووقفوا صفا واحدا وراء دبابة نزار، وأمام عصا بوضياف وفضلوا "تسويط الشعب" على سؤ اختياره للإسلاميين والجبهويين على "تصويت الشعب" عليهم واعتقدوا وماتزال انفار منهم تعتقد أن المأساة الجزائرية كانت ضرورية، وأنه لو طلب منهم القتل والقمع من جديد لما ترددوا، واعتقدوا ومازال بعضهم يعتقد أن حكم العسكر أحسن من حكم الشعب، وأن الجزائر ليس فيها شعب يحسن الإختيار وإنما فيها "غاشي" يفضل الدمار على الإعمار، ومايسمى الرعية ماهم في الحقيقة إلا رعاع، ولايمكن أن تكون السيادة ملكا لهم، بل السيادة هي ملك لأسيادهم المعينين من أسياد أسيادهم من الداك إلى رأس الدولة.

ومن المؤسف أن يكون لهؤلاء ورثة في ظل مايشهده العالم من تغيرات لتحسين الممارسة السياسية الديمقراطية التي فرضت حتى على الإتحاد الإفريقي عدم الإعتراف بأي تدخل للعسكر في اللعبة السياسية حتى في اختيار قبائل بدائية في أدغال افريقيا لرؤساء القبائل.

* نقلا عن جريدة "الحقائق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.