وداعا سيدي الرئيس

أحمد عظيمي
أحمد عظيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
9 دقائق للقراءة

لأول مرة استعمل اليوم كلمة "سيدي" مقرونة بكلمة "الرئيس" فقد تعودت أن أحدثه باستعمال عبارة "السيد الرئيس" لكنه لم يعد اليوم بيننا، فقد اختاره الرفيق الأعلى ومع شعوري بفداحة الخسارة للجزائر ولي شخصيا، فإني لا أجد من العبارات التي أعنون بها هذه الكلمات في حق صديق كبير ومحترم سوى عبارة "وداعا سيدي الرئيس".

بدأت علاقاتي بالعقيد سي علي كافي في شهر جوان 2009، لما جاء إلى كلية العلوم السياسية والإعلام لحضور مناقشة أطروحة دكتوراه الأستاذ عبد العالي رزاڤي. كنت يومها أحد أعضاء لجنة المناقشة ولما أعطيت لي الكلمة لإبداء رأيي في الأطروحة ومناقشة الطالب، بدأت، كما فعل زملائي، بالترحيب بالسيد رئيس الدولة السابق قائلا بأن هذه المناقشة هي مميزة على أكثر من صعيد لأنه لأول مرة، حسب علمي يحضر عقيد من جيش التحرير ورئيس دولة سابق مناقشة أطروحة دكتوراه.

بعد هذه المناقشة بحوالي الشهر كلمني صديقي الكاتب والمجاهد سي محمد سعيدي، - شفاه الله وأعاده إلى أهله وقرائه -، ليطلب مني أن أذهب معه لزيارة السيد علي كافي، وهو ما تم بالفعل.

استقبلنا الرجل عند باب بيته مرحبا بشوشا، ولما قدمني سي محمد سعيدي أجابه: "إني اعرفه فهو من بني عزيز، بلد سي الطيب بلحنش".



- بني عزيز: بلد سي الطيب بلحنش

فوجئت بالرئيس يحدثني عن شخصية من قريتي التي ولدت بها فسألته: وهل تعرف بني عزيز؟ فابتسم وراح يحدثني عن سي الطيب بلحنش لأكتشف بأن هذا الرجل كان من أساتذة سي علي كافي بالمدرسة الكتانية، ومن خلال حديثه لاحظت مقدار الاحترام الذي يكنه للرجل.

مع الوقت أدركت بأن سي الطيب بلحنش، رحمه الله، هو من الشخصيات العلمية والسياسية التي أثرت في العقيد علي كافي، فقد أخبرني ذات مرة كيف أن هذا المعلم الذي ينتمي إلى جمعية العلماء المسلمين كان في نهاية كل أسبوع يدعوه مع رفاقه الطلبة المنتمين لحزب الشعب إلى بيته خلال عطلة نهاية الأسبوع بحجة أنهم لم يدرسوا جيدا وأن عليهم أن يزوروه ليراجع لهم الدروس ولما يذهبون في الموعد يتركهم في بيته قائلا لهم إنه سيتغيب لقضاء بعض الأمور ليفسح لهم المجال لينظموا اجتماعهم الحزبي بينهم.

إنه التسامح والتفتح على الآخر الذي نختلف معه يتجلى في تصرف هذا الرجل الذي لم يقف انتماؤه إلى جمعية العلماء المسلمين حائلا بينه وبين شباب هم طلبة منتمون إلى حزب منافس، بل ذهب إلى حد إعطائهم فرصة عقد اجتماعاتهم في بيته.


- بداية صداقة مع رئيس الدولة

لما خرج لتوديعنا، قال لي: "مرحبا بك في كل وقت"، لكني لم أعد إليه ولم أسع إلى ذلك، فقد تعودت أن لا أثقل على الناس، وبعد حوالي ثلاثة أشهر من اللقاء الأول اتصل بي صديقي الأستاذ عبد العالي رزاڤي ليقول لي بأن الرئيس علي كافي يطلب منك أن تزوره، فذهبنا معا إلى بيته.

تحدثنا، خلال اللقاء الثاني عن أمور كثيرة، وكنت جد متشوق لمعرفة بعض أسرار الثورة والمرحلة التي تلت استعادة السيادة الوطنية. تحدثنا عن بومدين وعلمت منه كيف أنه من استقبله وسهل له الدراسة بالكتانية لما ذهب إلى قسنطينة لمتابعة الدراسة وكيف أن الطفل بوخروبة كان يعاني من شح في الموارد المالية وكيف أنه أضطر لأن يبيع بعض أمتعته، فيما بعد، ليسافر إلى مصر برا للدراسة.

في نهاية اللقاء الثاني أهداني مذكراته المنشورة لدى دار القصبة، مع إمضاء استهله بعبارة "إلى صديقي الدكتور أحمد عظيمي"، ولما كنا نغادره أعطاني رقم هاتفه المحمول ورقم بيته، مما جعل صديقي عبد العالي يعلق أمامه قائلا: "أنت الآن أصبحت من أصدقاء السيد الرئيس".

من هذا اليوم بدأت فعلا علاقة صداقة دامت حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.


- ليبيا وبداية جرح عميق

أصبحنا نزوره باستمرار، ولما نتأخر في الذهاب إليه يتصل هاتفيا ليسأل عن أحوالنا ويحتج عن عدم الزيارة.

كل شيء منظم ومضبوط بالنسبة لسي علي، فالرجل الذي عاش الكفاح بكل أشكاله، من السرية أيام الحركة الوطنية إلى الثورة التحريرية، صقلته الأحداث، حيث تلاحظ بأن هيئة الرجل ومواعيده وطريقة جلوسه وكيفية تعامله كلها تنبئ بانضباط ونظام قل أن تجدهما عند الناس. إنه ينتمي إلى جيل مميز أحب الجزائر بكيفية مميزة ونادرة فكيف نفسه وتصرفاته بما يخدم هذا البلد.

شيئا فشيئا وجدنا أنفسنا ندخل في قالبه وأصبحنا نتخذ كل الاحتياطات اللازمة كي لا نصل متأخرين إلى مواعيده لأن أكثر ما يثيره هو أن يصل الزائر متأخرا.

كانت لقاءاتنا تبدأ بأن يسأله أحدنا عن بعض القضايا الوطنية أو العربية المطروحة ثم يتشعب الحديث لنعود دوما إلى أيام الثورة المسلحة وكنا في كل لقاء نأخذ منه "جرعة" من التاريخ ومن حقائق قل من يعرفها.

من خلال استقباله لنا والحديث إلينا، ومن خلال تواضعه وبساطته وبشاشة وجهه كنت أشعر أحيانا، وهو يتحدث، وكأن الرجل يعتبرنا من أقرب الناس إليه، فهو يحدثنا وكأنه يحدث نفسه أو كأنه يفكر بصوت مسموع أو كان يريد لهذا الصوت أن يسمع من طرفنا كي نسجل في أذهاننا ما كنا نسمع لنقوله ذات يوم باعتبار انه ليس كل ما يعرف يقال في حينه.

زرناه مع بداية الأحداث في ليبيا فوجدناه في قمة الانزعاج من موقف الجزائر الذي قال عنه أنه لا يتناسب أبدا والعلاقات الأخوية التي تجمعنا بهذا البلد وكلمنا يومها عن علاقاته بالليبيين أثناء الثورة التحريرية وكيف أن هذا الشعب الطيب وقف مع الجزائر بكل جوارحه كما حدثنا عن دوره في ليبيا لما كان سفيرا للجزائر هناك وكيف أن معمر القذافي لم يكن يخشى أحدا مثلما كان يخشى سفير الجزائر في تلك الفترة وكيف انه كان يعيش بهاجس أن يطيح به بومدين.

ما يؤلمني اليوم، هو أننا لم نسجل شهادات الرجل خاصة ما تعلق بعمله كدبلوماسي، فهو مثل الجزائر في مصر ولبنان وسوريا وليبيا في فترة كانت فيها الجزائر حاضرة في كل الأحداث التي تمس المنطقة العربية، وقد حدثنا مرة كيف أن بومدين، الذي كان يتعامل معه مباشرة وبدون أية واسطة، اتصل به ذات مرة، لما كان سفيرا بسوريا، بعد منتصف الليل، ليطلب منه التوجه حالا إلى مكتب حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع ويسعى معه، باسمه شخصيا، لحل الأزمة القائمة بينه وبين الرئيس السوري، وكيف أن السيد علي كافي قضى الليل متنقلا بين مكتبي الرئيس السوري ووزير دفاعه لتقريب المواقف وتأجيل الأزمة التي انتهت لاحقا بانقلاب قام به حافظ الأسد، ويقول سي علي كافي أنه عاد إلى بيته مع الفجر ليكلم بومدين ويطلعه على ما قام به وإلى أين وصلت الأمور في سوريا.. ذاك زمن كان لا شيء يقع في المنطقة العربية وفي إفريقيا دون أن يكون للجزائر دور فيه.


- على الجيش أن يتدخل كلما كانت الجزائر في خطر

التقيناه بعد الاعتداء الإرهابي على قاعدة تيڤنتورين فكان منتشيا وفرحا بما قام به أفراد الجيش وجرنا الحديث للتعرض إلى الأخطار المحدقة بالجزائر داخليا وخارجيا، والتي هي كثيرة ومعقدة، وسألني بالمناسبة إن كان الجيش مستعدا للقيام بأي دور على المستوى الداخلي، في حالة الضرورة، لإنقاذ البلد من أي مأزق أو منزلق، فأجبته بأن وقت مثل هذه الأمور قد ولى وأن معظم الإطارات العليا للجيش هم اليوم من الدكاترة والمهندسين والتقنيين الذين لا تهمهم السياسة ولا يمارسونها، فكان جوابه هو أن علينا ألا نقع في خطأ المفهوم الغربي للجيش لأن جيشنا تأسس أصلا كجيش وطني مهمته الدفاع عن الثغور وحماية الوحدة الوطنية والتدخل كلما كانت الجزائر في حاجة إلى تدخله.

كان رأيه أن لا يقوم الجيش أبدا بانقلاب عسكري وأن يبقى بعيدا عن أمور السياسة لكن عليه في نفس الوقت أن يكون يقظا وأن لا يسمح لأي كان بالتلاعب، تحت أي سبب كان، بأمن واستقرار الجزائر.

قال لي يومها أنه بإمكاني أن أكتب، على لسانه، كل ما قاله حول دور الجيش في الوقت الراهن.



- آخر لقاء والقلق الواضح على مصير الجزائر

زرناه قبل أسبوعين من وفاته فوجدناه جد قلق ومنزعجا، لمسنا لديه خشية كبيرة على وضع الجزائر الحالي وقال إن كل هذه الأحداث الواقعة على حدودنا وكل هذه الفوضى في جل مدننا تنبئ بأن شيئا ما يخطط للجزائر.

نظر إلينا يومها متألما قبل أن يصب كل غضبه علينا لأننا - كما قال - لم نقم بواجبنا تجاه الجزائر، فنحن أساتذة جامعيون ولدينا جرائد مفتوحة أمامنا لنكتب فيها لكننا جبنا فلم نقل كل ما نعرف ولم نعمل على توعية الرأي العام بخطورة ما يقع.

آه.. كم أفتقدك اليوم أيها الرجل الكبير الذي كنت ملاذنا نركن إليه كلما آلمتنا أحداث الحاضر، فنحن ننتمي إلى جيل لم يعرف فعلا كيف يصون الأمانة ولا كيف يحافظ عليها ولا كيف يقول لهم: "كفى".. نحن من خدمهم وسهل لهم وغطى عليهم حتى سرقاتهم وفسادهم.

* نقلا عن "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.