.
.
.
.

أزمة الوعي في مجتمع الفتاوى

رشيد الحاحي

نشر في: آخر تحديث:

الجزر، الدلاح، السيكس شوب، جماع المرأة الميتة، زواج بنت التاسعة، جواز القتل، تطبيق الحدود، تحريم أكل الحلزون ،السحاق ليس من الكبائر، العادة السرية...، تلكم بعض من أهم القضايا التي تشغل بال بعض الفقهاء والمواطنين والمواطنات المغاربة، وإعلامهم ونقاشهم العمومي في القرن الحادي والعشرين، والتي تعكس درجة الوعي والمستوى الثقافي العام وما آلت إليه الأمور في هذه البلاد السعيدة!

فإذا ما توقفنا بشيء من التمعن عند فصول ومجريات النقاش العمومي الذي يعرفه المغرب مند عدة سنوات، وبشكل أكثر نشاطا وتأثيرا خلال الشهور الأخيرة في سياق الحراك السياسي والاجتماعي الذي تشهده المنطقة والحياة السياسية بالمغرب، يتجلى بكل وضوح الحضور الكثيف والمتضخم للفاعل الديني خاصة "الشيوخ" والخطباء ومجالس الأوقاف ونشطاء الحركات والجماعات الإسلامية في مناقشة مختلف القضايا وتحليل ونقد القرارات وصناعة المواقف وتوجيه الاختيارات والسياسات في جل مجالات الحياة العامة والخاصة...

حتى أن المتتبع لخبايا دوخة السجال واللغط الحاصل ليخال أنه في دولة تيولوجية صرفة أوكلت أمرها وحكمها وعقلها للخطباء والجماعات الدينية ونشطائها ومجالسها.

فالواضح أن الشكل الحالي والحضور المتضخم للديني والفقهي والجماعاتي هو حضور غير طبيعي وغير عادي، يتجاوز إطاره الثراتي والوظيفية المؤسساتية ومستوى الحاجة الروحية، بل وحتى أسباب وشروط اللجوء إلى الفتوى وطلبها بمفهومها وإطارها المعروف، حيث تحول خطاب ونقاش الفتوى إلى خطاب ايديولوجي مؤثر يدعم مشروع حركات وأحزاب الاسلام السياسي ويستفيد من تنامي حظوظها السياسية والاجتماعية ووصولها إلى السلطة والحكم، كما أن هذا التضخم ليس إلا نتيجة موضوعية لإخفاق مشاريع الديمقراطية والتحديث، وانتكاسة العمل والعقل الثقافي والفكري في المجتمع، وتجلي بارز لعودة المكبوت بمفهومه السوسيو نفساني. هكذا تحول النقاش السياسي والسجال العمومي إلى مشهد بئيس محكوم بانفعالات بعض الخطباء وبالفتاوى الدينية والرأي الفقهي المتزمت، وردود الفعل الثقافية والسياسية الباردة التي فقدت جدواها ومصداقيتها أمام ميوعة الرأي وانحسار الفعل المجتمعي القادر على تأهيل الفكر والوجدان الفردي والجمعي وتطوير الوعي العام في المجتمع.

والمثقفون والمبدعون – أو من تبقى منهم - منسحبون أو بالأحرى مأزومون ومنهزمون، ولا يملكون مواقف ثابتة أو رؤية ثقافية جادة بل أغلبهم مصلحيون يبحثون عن المناصب والصفقات ومشاريع العمل مهما كان الشرط أو إطار الإنتاج، وعندما يتحدثون في السر فلإعلان خوفهم على الحرية والثقافة وليس للفعل من أجلها، وهم ينتظرون الاتجاه الغالب ليسايروه، والمثقف "الخبير" انزوى في مكاتب ومجالس خاصة يقدم الرأي المحايد جدا حد الجفاف والتقارير التقنية الباردة، فيما تُرك المجتمع رهينة شطحات بعض الخطباء محدودي المعرفة ونشطاء الجماعات الدينية، المحليين والأجانب، الذين يملئون المنابر والمجالس والقنوات الفضائية والمواقع وشبكات التواصل الاجتماعية، يقدمون وصفاتهم الجاهزة وتفاصيلهم للشؤون الدينية والدنيوية ولنمط العيش "الحلال" ، ويصدرون أحكامهم المقدسة وأرائهم الشاذة التي تصل حد التمييز بين من يستحق الحياة ومن يستحق الموت من بين المواطنين والمواطنات المغاربة!

لقد أفرز الإفلاس الثقافي الراهن مزاجا فكريا وسيكولوجيا منحرفاً وخلق حاجة اجتماعية متزايدة وجدت ضالتها في فوضى الرأي الديني والفتاوى المتسيبة في مقابل تراجع الحاجة إلى المعرفة العلمية والفكر النقدي والحس الحقوقي والخيال الفني والجمالي والثقافة المعاصرة، كما امتد حضور ونفوذ الرأي الفقهي المتزمت والنشاط الجماعاتي إلى جل مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، بل إلى أدق تفاصيل الحياة الشخصية لكثير من الأفراد والجماعات، وصار يشكل الجزء الأساس من أفق الانتظار ومسوغات نمط الفكر والعيش السائدين، فيما انحصر دور المثقفين والباحثين والمبدعين، من أنثربولوجيين وسوسيولوجيين وأدباء وسينمائيين وتشكيليين...، في دوائر مغلقة وداخل بعض الفضاءات والمدرجات المحدودة، دون تأثير وامتداد واضح في الفضاء العام والنقاش العمومي والحياة الاجتماعية للمواطنين والمواطنات المغاربة.

إنها أزمة إنسية وثقافية حقيقية ذات امتداد سياسي واجتماعي كبير وخطير، أزمة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل "النوع المغربي"، وهي حالة أصبح المجتمع في قرارها مجرد كثلة ديموغرافية محكومة بالنزوة والرأي المتزمت والتضخم الفتوي التي تساس بهما حياة الناس أسوة ببعض دول ومجتمعات الشرق والخليج، فيما أصبح النقاش العمومي والسياسي خاليا من الأسئلة الفعلية والمضمون العلمي والإنسي والإبداعي والفكر النقدي القادر على إضاءة العتمات وإدراك العوائق وتصحيح الاختيارات، والمساهمة في تطوير الحياة الاجتماعية والارتقاء بفكر ووعي الإنسان وبنمط حياته ووجوده في اطار ممكنات المجتمع البشري ومقتضيات ومتطلبات الزمن المعاصر.

* نقلا عن "هسبريس" المغربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.