.
.
.
.

لماذا لا نغيّر العاصمة؟!

مصطفى هميسي

نشر في: آخر تحديث:

هل تبدأ الجزائر الجديدة من بناء عاصمة جديدة لها؟ أعتقد ذلك.
فعاصمة جديدة تعني بالأساس القطيعة مع ماض لا ينبغي أن يتكرر، مع دولة الباشوات والأغوات والدايات والانكشارية ومع الدولة الاستعمارية وما تركته من قنابل في هذه المدينة. المدينة العاصمة الجديدة، تعني الانطلاق في رؤية جديدة، وفق قواعد جديدة. بل وتعني أيضا، علاقة أخرى بين المدينة والناس، وبين العمران والناس وثقافتهم، بل وبين السلطة والناس. لقد توسعت العاصمة وكل المدن الكبرى والصغرى، انطلاقا من النسيج العمراني لمدن الكولون والتي لم يحسب فيها حساب الجزائريين ولا ثقافتهم. وكان هذا التوسع في الكثير من الأحيان تكرارا أو تشويها عمرانيا مخيفا، إذ لم يحمل، في الغالب، أي نكهة ثقافية وأي تصور عمراني وأي هوية هندسية بل وأي وظيفية.
إننا نعيش الكثير من بقايا الكولونيالية في دولتنا وفي مدننا وفي علاقة الإدارة بالناس وفي مكونات المحيط وما يطرحه من مشاكل اجتماعية ومن مشكلات متنوعة الأبعاد. فالـ F3 لا يمكن أن يمثل ثقافة الجزائريين ولا يمكن أن يكون في خدمتها. إنه كان في الغالب تعبيرا عن رؤية كولونيالية للأنديجان، وتحريفا خطيرا لثقافته بل ولعلاقاته الاجتماعية.
في الجزائر العاصمة، نعيش اكتظاظا سكانيا مخيفا واكتظاظا غير مقبول في الشقق والعمارات وتدهورا خطيرا للنسيج العمراني المتهالك يوما بعد يوم، ونعيش اختناقا مروريا مثيرا للأعصاب، زادته الحواجز الأمنية إثارة، ونعيش ارتفاعا جنونيا في أسعار العقارات وتعاني البلاد تآكل الأراضي الفلاحية الخصبة وغير ذلك كثير.
ويمكن أن نضيف الأسباب التالية:
هل يعرف الجزائريون أن أغلب المباني الرسمية هي مبانٍ موروثة من العهد الاستعماري أو من العهد التركي؟ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومقر المجلس الشعبي ومجلس الأمة وقصر الشعب والكثير من القصور ودور الضيافة ومقر ولاية الجزائر والكثير من الوزارات. أليس هذا غريبا؟!
وهل يعرف الناس أن العاصمة الجزائر، لم تصبح عاصمة إلا مع استقرار الإخوة بربروس ورياس البحر فيها، أي فقط منذ 1518 تقريبا، وقبلها كانت تلمسان في العهد الزياني هي العاصمة وقبلها بجاية والمسيلة في العهد الحمادي وقبلها تيهرت في العهد الرستمي.
قد يثور جدل.. وإلى أين ينبغي نقلها؟ سبق التفكير في الموضوع وتم اقتراح بل واعتماد منطقة عين وسارة لأسباب كثيرة، من بينها توفر المياه الجوفية وسهولة الوصول إليها من الساحل وسهولة بناء الطرق والسكك الحديدية وغير ذلك. وهناك من يقترح نقلها إلى الجنوب وإلى قلب الصحراء.
سبب آخر كان في ذهن الذين فكروا في الموضوع، وهو حماية سهل المتيجة والأراضي الصالحة للزراعة من ''اغتصاب'' الإسمنت، كما كان من الأسباب الوجيهة نقل جزء من الكثافة السكانية نحو المناطق الداخلية، في إطار توزيع سكاني معقول على مختلف مناطق البلاد، لاسيما الهضاب العليا. وهناك أسباب أخرى وفيها أسباب استراتيجية أمنية.
كانت الحكومة الجزائرية قد قررت في العام 1982، على ما أذكر، بناء مدينتين: واحدة إدارية في بوفزول والثانية علمية في عين وسارة. ولكن توقف كل شيء بعد سنوات قليلة، بسبب الأزمة المالية وأسباب أخرى ذات طابع سياسي وسياسوي في غالب الأحيان. بل ثار جدل حتى حول بناء الميترو، طرف كان يضغط من أجل بنائه في العاصمة وطرف آخر كان يرى أن تضاريس العاصمة جبلية وكلفة إقامته ستكون عالية، وواضح اليوم أن ذلك كان صحيحا جدا.
اليوم تآكلت الأراضي واختنقت المدينة على أهلها وجنه جنون أسعار العقار وعبثت به المضاربة ومبيضو الأموال. فهل المنقذ هو عاصمة أخرى؟ ذلك ما أعتقد. ولكن لا معنى لعاصمة جديدة من غير مؤسسات جديدة تحدث قطيعة عميقة مع بقايا الدولة الكولونيالية ومع دولة السلطة، لتقيم دولة المؤسسات ودولة المواطنين. لكن عوائق إنجاز هذا المشروع الذي أوصى به الميثاق الوطني منذ 1976 كانت كثيرة وهي اليوم أكثر. فقوة مبيضي الأموال تضاعفت ودور المضاربة صار مستحكما، وعوامل كثيرة أخرى، منها المنظور ومنها غير المنظور، منها الموضوعي ومنها الموضوع، وقفت في وجه قيام الجزائر الجديدة وستقوم ضد إنشاء عاصمة جديدة، تمثل هذه الجزائر الجديدة وعبقرية أبنائها وثقافتهم وتطلعاتهم لغد أفضل.


*نقلاً عن "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.