.
.
.
.

مهمة أخرى لغلام الله!

سعد بوعقبة

نشر في: آخر تحديث:

حضرت، في بداية الثمانينيات، اجتماعا للجنة المركزية للحزب، عقدت تحت رئاسة الشاذلي بن جديد، خصصت لدراسة الآفات وسوء التسيير للشأن العام.

وقتها، تدخل المرحوم أحمد حماني، فألقى كلمة مؤثرة باسم المجلس الإسلامي الأعلى، صفّق لها الحاضرون طويلا، بمن فيهم الرئيس الشاذلي.
كانت كلمته، رحمه الله، منصبة على فكرة أن محاربة الفساد والآفات التي بدأت تطل برأسها في دواليب الدولة، لا يمكن محاربتها فقط بالمجلس الأعلى للمحاسبة ولا بالمديرية العامة للمالية.. بل لابد من محاربة هذه الآفات بالرقابة الذاتية عن طريق تنمية الوازع الديني في التربية والتعليم.! هذا الوازع هو الذي يجعل الفرد المسيّر للشأن العام يكف من تلقاء نفسه عن العبث بالشأن العام، فليس هناك أفضل من الرقابة الذاتية في مسائل تسيير الشأن العام.

تذكرت هذه الحادثة التي عشتها قبل أكثـر من 35 سنة، عندما سمعت ما اقترح على وزير الشؤون الدينية، بوعبد الله غلام الله، من إمكانية تنظيم وزارته لسنة دينية لمحاربة الرشوة والفساد بخطب الجمعة في المساجد ودروس الوعظ والإرشاد الديني.

ومن حقنا أن نتساءل عن جدية هكذا مبادرة دينية. فاستعمال الدين في السياسة أصبح محرما، باعتبار الدين أصبح دين الدولة. من حق الدولة وحدها أن تستخدمه في المساجد في صلاة الاستسقاء، وفي الدعوة إلى الانتخابات والاستفتاءات وفي الدعوة إلى النظافة بواسطة رفع القمامة.! وحتى في الدعوة إلى المسيرات العفوية لمناصرة برنامج الرئيس.!

نعم، عندنا مشاكل في الري الفلاحي، فنلجأ إلى صلاة الاستسقاء لحل معضلة الجفاف. ونعالج أيضا مسألة الصحة بالرقية، مادامت وزارة الصحة عجزت عن توفير الصحة للسكان بالطرق الصحية المطلوبة.. لهذا، نمت، مؤخرا، ظواهر اللجوء إلى ما يسمى الطب التقليدي الخليط بين الرقية والأعشاب.

وها نحن نصل، في نهاية الأمر، إلى الدعوة إلى تنظيم مكافحة الفساد وسوء تسيير البلاد والرشوة، بواسطة المساجد وخطب الجمعة، بعد أن وصلت مؤسسات الدولة المكلفة بهذه المهمة إلى شبه عجز تام.. من الشرطة إلى العدالة إلى مؤسسات المحاسبة والمراقبة المنصوص عليها في الدستور.

ومادام الإسلام دين الدولة.. فلماذا لا يستخدم في مكافحة الفساد وسوء تسيير البلاد بواسطة الوعظ والإرشاد في المساجد؟! وإذا فشل الأئمة في المساجد في عملية إقناع السراق بالخطب الدينية بالكف عن السرقة، فينبغي تغيير وزير الشؤون الدينية.! وليس وزير الداخلية أو العدل أو المالية؟!

شيء جميل أن تسند قضايا مكافحة الرشوة والفساد إلى وزارة الشؤون الدينية.. لكن الأجمل من هذا لو يبدأ الأمر من مجلس الوزراء، قبل أن يصل إلى أئمة المساجد؟! وأن يقوم غلام الله بإلقاء درس ديني على زملائه في مجلس الوزراء حول: ''عذاب القبر للسراق الذين يسرقون المال العام''.. على اعتبار أن كبار السراق الذين أثاروا غبارا كبيرا، كانوا أعضاء في مجلس الوزراء أو مازالوا أعضاء في هذا المجلس.! تماما مثلما قام المرحوم أحمد حماني بوعظ زملائه في اللجنة المركزية، حول الرشوة والفساد قبل 35سنة.!

لعل.. وعسى.!

نقلاً عن صحيفة "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.