مواجهة الإرهاب.. مطلبٌ مُجتمعي

منذر بالضيافي
منذر بالضيافي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

تَحوّلت العمليّات الإرهابيّة بعد ثورة 14 جانفي 2011 إلى حقيقة مُجتمعيّة يَعِيشُها التُّونسيُّون. بل إنّهم في طريقهم إلى تعويد أنفسهم على التّعايش مع هذه الظّاهرة الّتي فَرَضت نفسها عليهم. وإن كانت جُذُورُها تعُود إلى ما قبل الثّورة، وليست حادثة تفجيرٍ معبَد الغريبة اليهُودي بجربة 2002، وأحداث سليمان 2008 ببعيدة عن الأذهان. لكنّها أصبحت أكثر خُطُورة بعد 14 جانفي 2011. فقد تَعدّدت الأحداث المُسلّحة للجماعات الإرهابيّة. لعلّ من أهمّها ما حصل في بئر علي بن خليفة وبن قردان والرّوحيّة وجبال الكاف… إضافة إلى حادثة الاعتداء على السّفارة الأمريكيّة في 14 سبتمبر.

لا يُمكن الحديث عن تنامي نشاط الجماعات الإرهابيّة المُتشدّدة دون الإشارة إلى ما يُمكن تسميته بوجود “تساهل” مع أنشطة وتحركات هذه الجماعات، الّتي تُمثّل في الواقع خزّانًا بشريًّا للمُتطرّفين الجهاديّين. فقد أدّت اللّيُونة الّتي تعاطت بها الحُكُومة مع الجماعات الدّينيّة المُتشدّدة، في جعلها تَعتَبِر نفسها كما لو أنّها تَتَمتّعُ بحماية تُخوّلُ لها تجاوُز القانون. وبرز ذلك من خلال سعيها للسّيطرة على الفضاءات العُمُوميّة، ومحاولات فرضها لنمطها المجتمعي مُمثّلاً في اللّباس أو في الممارسات والمعاملات على جماعات من النّاس…واحتلالها للمساجد وجعلها إطارًا أو فضاء لنشر خطابها المُتشدّد والتّحريضي على مكاسب المجتمع التّقدميّة. وتنظيم اجتماعات شعبيّة استضافت فيها شيُوخ الوهابيّة والسّلفيّة المُتشدّدة، الّذين دعوا صراحة إلى فرض تطبييق الشّريعة وتكفير المجتمع، مُعتبرين ما تحقّق في تونس بمثابة “جاهليّة” جديدة يجب مُحاربتها بحدّ السّيف.

سمح هذا المناخ لأنصار التيّار السّلفي المُتشدّد بمزيد الانتشار، إلى درجة “التّغوّل” عبر المرور إلى حمل السّلاح والتخطيط لأعمال إرهابيّة. وهو ما تمّ الشُّرُوع فيه بالفعل من خلال اغتيال شكري بلعيد ووضع قائمة لمستهدفين آخرين من النّخبة الثّقافيّة والسّياسيّة والإعلاميّين. وأصبح التّهديد بالقتل عُملة رائجة وبلا حسيب ورقيب. ما يُشير إلى أنّ الجماعة خطّطت جيدا للاستفادة من حالة الارتباك الّتي تميّز المشهد السّياسي، ومن تردد الحكومة وضعف الدولة لتقوية أنشطتها وتحويل تونس إلى مركز إقليمي للأنشطة الإرهابية، ومعبرٍا للإرهاب العابر للدول وحتّى للقارات، وتحديدا في المناطق الحدودية مع كلّ من ليبيا والجزائر والاتّجاه نحو السّاحل الإفريقي.

في ارتباط عضوي بأنشطة ما يُعرف بتنظيم القاعدة لبلاد المغرب الإسلامي. ما يُؤكّدُ أنّ بلادنا في طريقها إلى أن تتحوّل لمنطقة عُبُور للإرهاب. خاصّة أنّهُ هناك عدد هام من التّقارير الاستخباراتيّة الّتي كانت قد نبّهت من تنامي أعداد التّونسيّين الّذين التحقوا بالجهاد في مالي وسوريا وقبلها في العراق وأفغانستان.

ونحن نُتابع ما يجري من أنشطة إرهابية، حتّى وإن كانت في طور أوّلي وما زالت لم تمرّ إلى السّرعة القصوى، وقد تصِلُهَا إذا لم يتم تدارُك الموقف وضبط خُطّة مُقاومة واضحة أمنيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا. ولعلّ «كثرة الاعتداءات السّلفيّة» واتّخاذها لبُعدٍ «نوعيّ» و«مُمنهجٍ»، يفرض تفعيل حوار وطنيّ بين الحكومة والأحزاب وكلّ مُكوّنات المجتمع المدني. بهدف إقرار سياسة أو خطّة وطنيّة في التّعاطي مع هذه “الظّاهرة” الّتي تُمثّل خطرا حقيقيّا على السّلم والاستقرار الاجتماعي، وتُهدّد «وحدة» المجتمع وكيان الدّولة بسبب رفعها لشعارات دينيّة، خاصّة وأنّها «تُبشّر بأمميّة دينية» تتعارض ومفهوم «الدولة –الأمة» الّذي اختارته بلادنا منذ مارس 1956.

كما أنّ قراءة استراتيجيّة لما يجري، تُبرز لنا أنّ معالجة ملف السلفية والتيارات الدينية المتطرفة، يتجاوز البعد المحلّي والوطني إلى الدّولي، ولعلّ ما حصل في جبل الشّعانبي التونسي ومنطقة عين أميناس الجزائريّة وقتل السفير الأمريكي في بنغازي اللّيبيّة، تُمثّل عنوانًا دالًّا على «بداية منعرج لمسار الربيع العربي في اتّجاه انفلات ظاهرة العنف عن إدارة التّيارات الإسلامية المُعتدلة الّتي ستجد نفسها بين فكّي كماشة، فإمّا أن تواجه بالقمع هذه الجماعات وإمّا أن تُهادنها وتخضع لابتزازها الإيديولوجي»، وهو ما أكّدهُ العديد من الخُبراء.

ولعلّ ما بدأت تُدركه حركة النّهضة يسير على هذا المنحى. النهضة الّتي نأمل أنّها أصبحت على بيّنة من خُطُورة الجماعات الدّينيّة المُتشدّدة التي وإن كانت تُهدّد المجتمع والدّولة، فهي تهدّدها هي رأسا ويمكن أن تسبّب لها في ضرر سياسيٍّ وشعبيٍّ جرّاء ما تُؤتيه من أفعال باسم الدين، على اعتبار وجود خطوط تماس والتقاء ثقافي وديني بينها وبين هذه الجماعات. وهو ما يجعل البعض يخلط بينهما ويضع الجميع في كيس واحد، وهو ما عانت منه النّهضة وكلّ الجماعات الدّينيّة المُعتدلة في السّابق.

وقد برز هذا الإدراك، وإن كان مُتأخرا، من خلال تصريحات زعيم الحركة راشد الغنُّوشي الأخيرة الرّافضة بل والمُتبرّئة ممّا تُؤتيه هذه الجماعات. ما يُبيّن أنّهُ تفطّن لعواقب ما يحصل. لكن الغنّوشي اختار التّدرّج حتى لا يخسر هذا الجمهور سياسيّا وانتخابيّا، وأيضا مُراعاةً لحسابات وتجاذبات داخل الحركة بين تيار نقديّ وآخر مُرحّب أو مساند للظاهرة السّلفية بما فيها المُتشدّدة. فقد سبق أن أكّد الغنوشي في كلمة ألقاها في مدينة الجم من ولاية المهديّة يوم 11 نوفمبر 2012، حيثُ قال “إنّ الحماس للإسلام جيّدٌ ومرغوبٌ بشرط عدم تجاوز حدُود الإقناع بالكلمة الطّيّبة والحُجّة”، مُؤكّدًا “أنّ النهي عن المنكر مطلوب إلاّ أنه ينبغي أن يَمُرّ عن طريق أجهزة الدّولة ومُؤسّساتها الّتي تحتكر استعمال القوّة الماديّة ولا يحق للأفراد الحلول مَحلّها تفاديًا للفتن”.

كما ذكّر الغنوشي بالمناسبة بـ”أنّ القانون لا يفرّق بين المواطنين بسبب عقيدتهم أو لباسهم أو تدينهم بل يفرّق بينهم بحسب امتثالهم أو مخالفتهم لهُ”. وها قد عاد ليؤكد بمناسبة أحداث الشّعانبي ” أن تونس ليست أرض جهاد، وما يحدث في جبل الشعانبي، هو جهاد مُدّعٍ وفي غير مكانه»، داعيًا إلى “الجهاد في فلسطين لمن أراد”. وبعيدا عن البحث في خلفيات مثل هذا الموقف، هل هو مُجرّد مُناورة سياسيّة أم هو نابع من قراءة موضوعية لخطر الجماعات الإرهابية؟ فإنّنا نُؤكّد أنّ مسؤولية حزب حركة النّهضة تبقي أكثر من غيرها بسبب وجودها في الحكم ووقوفها على أرضية عقديّة مشتركة مع هذه التّنظيمات. لذلك فهي مُطالبة بالنأي عن نفسها صراحة وأمام الملأ عن كلّ ما من شأنه أن يُفهم على أنّهُ مُساندة لهذه الجماعات، أو إعطائها غطاءً سياسيًّا أو أمنيًّا أو ثقافيًّا من خلال تركها “تَرتَعُ” في المساجد والفضاءات العامّة بلا حسيب ولا رقيب.

على أنّ ما يجعل من مُقاومة الارهاب أمرًا مُمكِنًا ويتجاوز مُناورات السّاسة، هو ذلك الرّفض المُجتمعي الكبير الّذي بَرَزَ في مواقف كلّ فئات وشرائح المجتمع التّونسي والّذي تترجم من خلال التّأكيد على وُجود ثقة كبيرة في المجهودات الّتي تقوم بها قوات الأمن والجيش الوطني للحدّ من خطورة ظاهرة الإرهاب عبر مُحاصرته في جُحُوره وتَجنُّب وُصول خطره إلى المَدَنيِّين في المُدن والسّاحات العامّة والمدارس والجامعات…وهذا ما يفسّر درجة التّعاطف الكبيرة الّتي أظهرها التّونسيُّون تُجاه العناصر الأمنيّة الّتي لحقها أذى هذه الجماعات الإرهابيّة في جبل الشّعانبي. والّتي كانت محلّ رفضٍ كبيرٍ، بل إنّ البعض من أهالينا في القصرين توجّه نحو الجبل، في حركة رمزيّة وتضامنيّة مع الأمن والجيش لمُشاركتهم في حماية أمن تونس، وللتأكيد على الرفض “السّوسيُو-ثقافي” للإرهاب، الّذي أصبحت مواجهته باعتماد الحل الأمني اليوم، ضروريّة أكثر من أيّ وقت مضى.

*نقلا عن موقع "جدل" التونسي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.