في الفساد وفوائده !!
قطع مرض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة و لو مؤقتا الأحاديث عن رائحة الفساد التي كانت تنبعث في كل مكان ابتداء من "تين زاواطين" النائية بأقصى الجنوب التي يطلب فيها موظف الحالة المدنية رشوة من طالب شهادة الإقامة مرورا بالولاية الساحلية التي يبتز مفتش مصلحة الضرائب بها التجار الذين لا يتعاملون بالفواتير وصولا إلى "سونطراك 2"، والتي هربت فيها الملايين بالدولار طبعا و ليس بالدينار المسكين..
وإلى أن يعود "سي عبد القادر" إلى مكتبه في أعالي العاصمة سالما معافى تبقى ملفات الفساد مكدسة أمام القضاء و المؤسسات الأمنية و أمام المجتمع..وبعضها لا يزال لم يكشف عنه الحجاب و لا زال في طي الكتمان إلى حين يأتي أوان التنابز به سياسيا !!
قديما قيل "المال السايب يعلم السريقة"..وحديثا نقول أن غياب مؤسسات الرقابة أو وجود مؤسسات رقابية ضعيفة منزوعة الصلاحيات من شأنه أن يضاعف من الفساد و ينميه و يشجعه بدلا من محاصرته في المهد ..وهو حالنا الآن للاسف، المال كثير لكن بدون رقابة فعالة وحقيقية وأما القوانين التي تحكم الصفقات العمومية فمتضاربة و غامضة ما أدى إلى التحول إلى أكبر (مسرقة عمومية) في المنطقة !
شخصيا لا اؤيد تعليق مصائب الدنيا كلها على عاتق الحكومات لكن من سرق " دلاعة" من سوق بومعطي بالحراش شرق الجزائر العاصمة ليس كالذي ارتشى بملايين الدولارات وحولها إلى حسابات بنكية في اسبانيا وسنغافورة وسويسرا..لكن بالمقابل كما يوجد وزراء
ومسؤولون مدنيون وعسكريون فاسدون ومرتشون هناك نوعية من المواطنين أشد فسادا في الأرض فهذا النوع من المواطنين غير الصالحين هو من يسارع إلى عرض رشاو على الموظفين للحصول على ما هو ليس حقا له..كأن يبني منزلا في أرض الدولة أو أرض غيره أو يمارس تجارة دون سجل تجاري..وأحيانا يزور الوثائق للحصول على امتيازات ليست من حقه بل هناك من يدفع رشوة للحصول على "باسبور" الحج، والأدهى والأمر أن هناك من الموظفين المرتشين من حج إلى البقاع المقدسة بأموال الرشوة!!
ووفقا لهذه الصورة المؤلمة يكون سرطان الفساد قد تسلل إلى كيان المجتمع كافة وهو أمر مخيف حقا لأننا في هذه الحالة لن نطمع أبدا في حدوث حالة إصلاح لأننا ببساطة أصبحنا شركاء في الفساد كما كان أشقاؤنا الليبيون شركاء في السلطة والمال والسلاح في عهد الراحل معمر القدافي.
هل هذه صورة مبالغ فيها ..ربما، لكن مارأيكم في عدد لا يحصى من الجزائريين لا يدفعون فواتير الكهرباء بعد أن "يخربوا" في عداد سونلغاز بتواطئ من موظفين مرتشين! وما رأيكم في من يبني بيته على الرصيف ويسرق حق المشاة وبعضهم بنى بيته في الطريق ثم يسب الدولة الفاسدة إذا جاءته شرطة العمران لتنفيذ القانون..
قد يصر البعض على أن الصورة مبالغ فيها وسوداوية..طيب أين هو الموظف الذي يأتي إلى مقر عمله في الوقت المحدد..؟! بل هناك من يتأخر في فتح محله أو مقهاه أو مخبزته ويحرم الزبون من توفير الخدمة بحجة أنه "خدام عند روحو"، أو لم تسمعوا بمن غش في الإسمنت والحديد حتى وهو بصدد تشييد منزل لأولاده فهل هناك بعد هذا الفساد من فساد؟
نعم يوجد..إنه فساد النفوس والفقر الأخلاقي وتدمير القيم.. فالمجتمع صار يقدر ويبجل صاحب المال الوفير حتى وهو يعرف أنه بائع مخدرات !! الأسرة التي لم تعد تسأل عن مصدر مال السيارة الفخمة التي يشتريها إبنها أو إبنتها حتى لو كان يتلقيان راتب الشبكة الإجتماعية!! ..هل هناك فساد أكثر من هذا؟
نعم موجود..يحكى أن شابا تعرف على فتاة وضرب لها موعدا أمام تمثال الأسدين قرب مقر بلدية وهران..كان ذلك في شهر أغسطس على الساعة الثانية ظهرا..قبل اختراع "البورتابل" وبعد ثلاث ساعات من الانتظار تحرك صاحبنا من مكانه وقال (ينعل بوها حكومة) ومضى إلى سبيله..
وليس للفساد فوائد وإذا كان له فائدة واحدة فهي كشف حقيقة البشر والمجتمعات وطبيعة معادنها!
نقلا عن جريدة "الصوت الآخر" الجزائرية