المواطن الـ "HTM"

بشير حمادي
بشير حمادي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ما استوقفني في عملية مقتل الجندي البريطاني، ليست عملية القتل في حد ذاتها، فهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وقد قالها القاتل مخاطبا البريطانيين ومن خلالهم مواطني المجتمعات الغربية المتورطة في قتال أو اقتتال المسلمين"لن تكونوا في أمان"..


وما استوقفني ليست شجاعة أو وقاحة القاتلين اللذين ظلا في مكان الجريمة ينتظران الشرطة، ويطلبان من المارة التقاط الصور لجريمتهما..

وما استوقفني ليس مكان العملية، إذ أن هذا الجندي لم يسقط في افغانسان أو في العراق، أو أية جبهة أخرى ترسل بريطانيا أبناءها ليقتلوا فيها دفاعا عن الحرية وحقوق الشعوب المضطهدة كما يقول كاميرون، وإنما سقط في لندن، عاصمة المملكة التي غابت عنها الشمس منذ عقود..

وما استوقفني ليس لون أوعرق أوديانة القاتل، فقد تنوع القتلة من عملية إلى أخرى، مع التغير في النوعية، إذ أصبحوا من مواطني تلك الدول وليسوا عابري سبيل..

وما استوقفني ليس موقف السلطة أو الإعلام الغربي من العملية، فهو معروف مسبقا، خاصة عندما يتعلق الأمر بديانة القاتل بالإسلام، وليست الهجمات على مراكز العبادة للمسلمين والتهجم على الإسلام عقب كل عملية، فهذا أمر يصنف عندهم في خانة المنوعات، والأخبار الطريفة..
ومااستوقفني ليست الزهورالتي توضع في مكان الإغتيال من قبل مواطنين لاعلاقة لهم بالقتيل سوى علاقة الإنتماء لوطن والمواطنة العالية لمواطنيه..

ما استوقفني حقا هو موقف المواطنة البريطانية التي ذهبت إلى القتيل الممدد على الأرض، وعندما تأكدت من موته، توجهت إلى القاتل بكل شجاعة تسأله لماذا قتله؟

هذا الموقف من امرأة في مواجهة قاتل يحمل سكينا وساطورا ودم القتيل مازال يقطر من يده لايمكن وصفه إلا بالشجاعة، وهي تعبير حي عن المواطنة الحقة..

هذا التصرف لايمكنه أن يصدر إلا عن مواطنة حرة، تتمتع بكل حقوق المواطنة، وتشعر بالتالي أن عليها واجبات تجاه المجتمع، تشربت مبادئ "العقد الإجتماعي" لجان جاك روسو التي تؤكد على أن المواطن له حقوق إنسانية، يتحمل مقابلها مسؤوليات اجتماعية، يتوجب عليه تأديتها.. وينبثق عن مصطلح المواطنة مصطلح "المواطن الفعال"، وهو الفرد الذي يقوم بالمشاركة في رفع مستوى مجتمعه الحضاري.

هذا المواطن الفعال يكون في مجتمع حر وديمقراطي وعادل، ولايمكنه أن يكون في مجتمع مغلق، ونظام مستبد، والعدالة فيه يأخذها القوي من الضعيف بماله وجاهه..

هذه المجتمعات تفرز "المواطن الهدام" وفي أحسن الأحوال "المواطن غيرالمبالي" أو المواطن "HTM" أي (حشيشة طالبة معيشة) بالتعبير الشعبي الذي يعتمد قاعدة سلوك "تخطي راسي"..

هذا المواطن الـ "HTM" بالتعبير الجزائري إن حدثت أمامه جريمة قتل فر بعيدا حتى لايكون شاهدا، وإن تم التحرش بامرأة أمامه قال أنها هي من استفزت المعتدي بلباسها أو سلوكها، وإن سرقت سلسلتها أو حقيبتها قال "نسوان مالية الشوارع"، وقس على هذا عشرات الموقف السلبية..

هذا المواطن الـ "HTM" تنتجه المجتمعات التي تقوم على قاعدة بسمارك خلق دولة قوية ومواطن ضعيف، وهذه المجتمعات لايمكن أن يكون فيها " المواطن الفعال" بل إن هذه المجتمعات يكون فيها "المواطن السلبي" ويكون كل شيئ فيها سلبيا.. السلطات الثلاث، والهيئات المنبثقة عنها، والأفراد الذين يتواجدون فيها أو يرأسونها، والنتيجة السياسة فيها سلبية، والإقتصاد سلبي، والثقافة سلبية، وحتى العلاقات الإجتماعية بين الأفراد تكون سلبية، فالجار لاعلاقة له بجاره، وهو يدرك أن"جاره القريب أحسن من أخيه البعيد"..

ماهو مؤكد أن قوة امريكا وبريطانيا وفرنسا واليابان والمانيا وغير هؤلاء هي من قوة المواطن، وقد أدركت روسيا والصين وبلدان أخرى كثيرة هذا وتسير في الطريق الصحيح، ولم يبق في هذا العالم إلا الأنظمة العربية المصرة على أن قوتها تستمدها من ضعف مواطنيها والإستقواء عليهم..ولهذا لايزهر الربيع دفلى إلا في هذه البقعة من العالم..

* نقلا عن "الحقائق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.