جاران متباعدان يحاولان الاقتراب من بعضهما

توفيق بوعشرين
توفيق بوعشرين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يبدوا ان جيراننا الإسبان قد هيئوا جيدا لزيارة الملك خوان كارلوس الى المغرب ووضعوا الكثير من الباهارات والتوابل فوق الطاولة الملكية التي ستجمع العاهلين المغربي والأسباني.

اولى هذه التوابل هي توقيت الزيارة التي جاءت الاولى من نوعها بعد خروج خوان كارلوس من وعكته الصحية التي طالت اشهر عديدة وفاقمت من ثانيا الوفد الذي يرافق ساكن قصر زارزويلا الى المغرب وفد كبير وعلاوة على وزراء حكومة راخوي ورجال الاعمال والصحافة أصر خوان كارلوس على اصطحاب تسعة من وزراء خارجية السابقين لإسبانيا الديمقراطية. ثالثا ملك اسبانيا هو من اكثر ملوك اوروبا الذين يعرفون القصر العلوي وتقاليده منذ ايام الحسن الثاني الذي كان يحرص على إعطاء الطابع الملكي للعلاقات بين الرباط ومدريد قبل الطابع المؤسسي بين البلدين ولهذا جاء خوان كارلوس لإحياء هذا التقليد وجعل الرداء الملكي يغطي العلاقات السياسية والديبلوماسية والاقتصادية بين الجارتين.

لم تعرف العلاقات المغربية الاسبانية جوا صافيا بلا غيوم كما تشهده العلاقات هذه الايام والمفارقة ان هذا الود المثالي يجري في عهد اليمين الاسباني الذي كان على الدوام مصدر إزعاج للمملكة هذا الإزعاج الذي كاد يودي الى حرب مفتوحة حول صخرة جرداء في مياه المتوسط سنة...... حتى ان الوساطة التي أطفأت الحريق بين جارين بينهما اتفاقية صداقة وحسن جوار و12 الكلوميتر من المياه الدافئة جاء من واشنطن التي تبعد ب6 آلاف كيلومتر على البلدين الجارين.

الان يبدوا هذا التاريخ بعيد جداً واحد لا يريد ان يتذكره رغم ان يومياته مازالت في الذاكرة التي يجري إنعاشها بين الحين والآخر عن طريق وسائل الاعلام التي تبحث دائماً عن الموضوعات الخلافية التي تستقطب الاهتمام اكثر من غيرها.

اليمين الاسباني تعلم وبسرعة من أخطائه اتجاه المغرب على عهد خوسي ماريا اثنار والذي كان مصابا بحساسية اسمها المغرب. قبل اشهر كنت ضمن وفد صحافي مغربي زار اسبانيا للقاء الزملاء الصحافيين هناك وعدد من المسؤولين لقياس حرارة التقارب الجديد بين ضفتي المتوسط. فطرحنا سؤالا على كاتب الدولة الاسباني في الخرجية .... حول تغير الموقف الديبلوماسي الاسباني من المغرب بين اليسار واليمين وكيف ان الورقة المغربية كثيرا ما تستعمل في سوق المزايدات الانتخابية بين الحزبين المتنافسين. فرد قائلا ( اظن اننا تجاوزنا هذا المشكل الان. واعتبر ان السياسات الديبلوماسية بين الدول لا يجب ان تتغير بتغير الاحزاب الحاكمة وأقصى ما يمكن ان تغيره حكومة او وزير للخارجية في التوجهات الديبلوماسية للبلاد هو مقدار 10 في المائة لا اكثر الباقي دائماً محكوم بالاستمرارية والطابع الاستراتيجي. وأظن ان الحزب الشعبي اقتنع بهذه الحقيقة الان )
لا اظن ان حكاية العشرة في المائة هذه وحدها المسؤولة عن تغير سياسة اليمين الاسباني اتجاه المغرب بل هناك أيضاً الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت اسبانيا منذ خمس سنوات وجعلت مدريد تفقد الكثير من وزنها السياسي والاقتصادي والديبلوماسيين بحيث صارت ترى في المغرب وأفريقيا عموما متنفسا لازمها وقد رأينا كيف تحول المغرب في ظرف اشهر قليلة الى أول زبون تجاري لإسبانيا بعد ما كان لعقود اول زبون تجاري لفرنسا التي لها نفوذ اقتصادي وسياسي وثقافي أكبر في المغرب.

اكبر سوق أفريقي بالنسبة لإسبانيا هو المغرب واقرب نقطة حدود لمدريد مع جنوب المتوسط هو المغرب.وامثر بلد في افريقيا والعالم العربي يعرف اسبانيا ولغتها وتاريخها وشعبها هو المغرب. ولهذا فمن الطبيعي ان يلتفت الإسبان الى المملكة الشريفة ويسعون لتوثيق العلاقات والمصالح والتجارة معها وهذا حقهم لكن في المقابل فان لهم واجبات على حسن الجوار وهي :

اولا رفع ايديهم عن ملف النزاع في الصحراء قدر ما يستطيعون اعرف انهم متورطون في هذا النزاع منذ بداية القرن الماضي. لكن في الوقت ذاته فان لهم دورا إيجابيا يلعبونه لحل النزاع في اطار الحفاظ على الاستقرار في المنطقة اما صب الزيت على النار فلن يخدم لا الصحراويين ولا العلاقات الودية والمنافع الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا.

ثانيا موضوع سبتة ومليلية والجزر المحتلة يجب ان يوضع في ملف خاص وان لا يجري استفزاز المغرب وشعور أبنائه الوطني في هذا الملف الحساس ( الملك خوان كارلوس نفسه ارتكب خطا كبيرا عندما زار المدينتين المحتلتين لاول مرة سنة2007 تحت ضغط ثابترو مما أعاد الى الأذهان صورة المستعمر الاسباني للثغور المغربية ....) هناك صيغ وحلول كثيرة للاقتراب من هذا الملف دون ان يفسد للود قضية بين البلدين الجارين هناك احياء لجنة ابن رشد وترك الحكماء يبحثون عن حل توافقي لهذا المشكل القديم وهناك فكرة السيادة المغربية والإدارة الاسبانية وهناك فكرة المنطقة الدولية تحت العلم المغربي ..... لكن ما هو ملح الان هو تطوير العلاقات الاستراتيجية بين المملكتين والشعبين دون ان تقف المدينتين الصغيرتين عقدة في المنشار. الباقي كله يمكن التفاهم حوله بين الجيران لان القدر الجغرافي أكبر من اي مشاكل يقترفها البشر.

نحن نعرف اسبانيا وثقافتها ولغتها وتاريخها ومطاعمها وفنونها لكن جيراننا الإسبان لا يعرفون عن المغرب وشعبه سوى الكليشيهات البئيسة التي لا تخرج عن صورة( المورو المسلم) الذي يعيش في أدغال افريقيا حياة القرون الوسطى والذي لم ينسى جوهرة الاندلس التي سرقتها من أجداده الملكة ازابيلا.

لهذا فان اعادة اكتشاف المغرب من قبل الإسبان تبدوا مهمة مستعجلة حتى ينطلق الحوار.

نقلاً عن صحيفة "هسبريس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.