رسائل بلا إيضاحات
عاد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لمزاولة نشاطه بترؤسه مجلس الوزراء للمرة الأولى هذا العام، ليزيل بعضاً من الشك عن حالته الصحية وجدلاً واكب تغييرات جذرية أجراها مؤخراً على المؤسستين العسكرية والأمنية . ولكن اللافت أن عودة بوتفليقة للظهور الرسمي تزامنت مع الذكرى الثامنة لإعلان ميثاق السلم والمصالحة، وهو تزامن لا يخلو من رسائل مزدوجة إلى الداخل والخارج في ضوء قلق داخلي على المستقبل السياسي للبلاد وتقلبات أمنية في الإقليم .
من المعلوم أن الجزائر دخلت مرحلة مبكرة للانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل/نيسان المقبل، ومن هنا إلى ذلك التاريخ تتولّد صعوبات وتندلع معارك وتطفو أزمات . ورغم حالة الاستقرار الظاهرة وثبات قرار الدولة، هناك محاولات لخلق قلاقل، بعضها وجيه والبعض الآخر مفبرك وموظف لغايات . وفي والوقت الذي سرت فيه شائعات عن إصابة بوتفليقة بوعكة صحية ألزمت نقله إلى فرنسا مجدداً، كانت منظمات للعاطلين عن العمل تسيّر مسيرات في عدد من مدن البلاد للمطالبة بالتنمية والوظائف، ولكن تلك المسيرات مرت بسلام ولقيت تفهماً حكومياً، بينما أسقط بوتفليقة مزاعم إصابته بوعكة صحية بترؤسه الأحد الماضي مجلس الوزراء ومصادقته على جملة من مشاريع القوانين التي تهم الفترة المقبلة . وما يجري من تحركات وشائعات وقرارات كله يدخل ضمن التجاذبات السابقة للانتخابات، ولكنه يستحضر، في الوقت ذاته، تجربة السنوات الماضية وما شهدته من تحولات اقتصادية ونجاحات على الصعيد الأمني في مواجهة الإرهاب وجماعاته .
ولم يعد خافياً أن الجزائر حققت طفرة اقتصادية كبيرة في السنوات العشر الأخيرة مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط والغاز وتمكّنت من سداد معظم ديونها . كما استطاعت أن تقضي على أغلبية بؤر الإرهاب وتخرج من المربع الدامي، وأثمر قانون الوئام المدني “توبة” آلاف المسلحين وهبوطهم من الجبال والأحراش واندماجهم في المجتمع . لقد كانت هذه النتائج جلية وأصبحت واقعاً حياً، غير أن تلك “الإنجازات” مهددة بالجمود في الوقت الحالي بسبب الغموض الذي يشوب المسار السياسي، إضافة إلى تمدد طوق الأزمات الأمنية الذي يجمع تونس وليبيا ومالي ويحيط بالجزائر من الشرق والجنوب . ومع أن منسوب العنف الإرهابي يعتبر في أدنى مستوياته في الجزائر مقارنة بما كان قبل سنوات، إلا أنه عرف في الفترة الأخيرة ارتفاعاً نسبياً تجلى مع حادثة عين أميناس بداية هذا العام، وما تبعها من تصعيد في العمليات الأمنية التي أدت إلى مقتل نحو 190 عنصراً مسلحاً واستسلام عشرات آخرين .
الجيش الجزائري والقوى الأمنية الأخرى تحقق أهدافها في المهمات المنوطة بها، ولكن ذلك لا يكفي للتأكد من أن البلاد خرجت بالفعل من دائرة الخطر . وفي ظل مشهد سياسي يتسم بالضبابية، فمن الطبيعي أن تكثر الشكوك والمطاعن التي تضع الجزائر في أزمة ليست بحاجة إليها اليوم، ولكن بيد القائمين على الشأن مهمة توضيح الصورة وتقديم رسائل معبرة لقطع الطريق على المتربصين من هواة الفوضى وصنّاع الذرائع .
نقلاً عن صحيفة "الخليج"