.
.
.
.

هل يترشح بوتفليقة لولاية رابعة؟

رمضان بلعمري

نشر في: آخر تحديث:

هل يقبل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ترشيح الحزب الحاكم لولاية رابعة رغم اعتلال صحته؟ وما هي مفاجآت تعديل الدستور الجزائري قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل/نيسان ،2014 مثلما كشف عنه الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني قبل أيام؟

سياسياً، حقق الرئيس بوتفليقة (76 سنة) في رصيده منذ اعتلائه كرسي الرئاسة في إبريل/نيسان ،1999 مكتسبات شعبية كثيرة، أهمها وقف شلال الدم الذي انفجر مطلع التسعينات بحدث بارز وهو اغتيال الرئيس الأسبق محمد بوضياف، عام 1992 . وقد تمكن بوتفليقة خلال السنة الأولى من حكمه من إنزال ما لا يقل عن 7 آلاف مسلح كانوا في الجبال وهم ينتمون لتنظيم كان يسمى “الجيش الإسلامي للإنقاذ”، بالاعتماد على سياسة الوئام المدني ثم المصالحة الوطنية .

وتمكن بوتفليقة من تسديد ديون الجزائر الخارجية المقدرة بقرابة 40 مليار دولار في ظرف وجيز أيضاً، وساعده على ذلك ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد، علماً أن الميزانية(الموازنة) السنوية للحكومة تعتمد سعراً مرجعياً ب37 دولاراً للبرميل الواحد، وهذا ما يفسر ارتفاع احتياطي الصرف الجزائري بالعملة الصعبة (الأجنبية) إلى نحو 200 مليار دولار .

ومن المكاسب الشعبية الأخرى للرئيس بوتفليقة، بناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية التي تمنح بشكل مجاني للسكان، أو تمنح بأسعار رمزية لهم، كما استحدث بوتفليقة مساعدة اجتماعية بقيمة 7000 دولار تمنح لكل عائلة الفقيرة تساعدها على بناء مساكن ريفية .

وفي عهد بوتفليقة أيضاً تم تدشين مشروع “مترو الجزائر” الذي بقي ثلاثين سنة تحت الأرض، كما تمكنت حكومته من مد آلاف الكيلومترات من الطرقات، وتدشين أوّلي لخطوط “الترامواي” في العاصمة وبعض المدن الكبيرة .

لكن هذه المكاسب التي حققها الرئيس بوتفليقة نافستها مظاهر أخرى بنت عليها المعارضة كل صياحها وأجنداتها الرافضة لترشحه منذ 2009 إلى ولاية ثالثة وأخرى رابعة يعتزم المغامرة بها الربيع المقبل . وتحفل صحف الجزائر يومياً بنقاشات حادة لقادة المعارضة تتهم حصيلة الرئيس بوتفليقة بالفشل، خصوصاً ما تعلق بالجانب الاقتصادي، وتحديداً انتشار الفساد المالي .

وتقصد المعارضة بالفساد المالي، ليس فساد الرئيس بوتفليقة شخصياً، وإنما محيطه السياسي، ويأتي هنا ذكر أسماء مثل شقيقه السعيد بوتفليقة ووزير النفط السابق شكيب خليل، ووزير الأشغال العمومية عمار غول، المسؤول على مشروع الطريق السيار .

وتتهم المعارضة الرئيس بوتفليقة بالتستر على محيطه، أو بتوفير الحماية لرجاله، ولحد الآن لا توجد تهم مالية محددة تطال شقيقه السعيد، لكن الصحف تتحدث يومياً عن صفقات مالية يكون شقيقه متورطاً فيها بشكل غير مباشر . وكانت آخر حادثة تستأنس بها الصحف هي ما تردد عن منع السعيد بوتفليقة الذي يشغل منصب مستشار خاص للرئيس بوتفليقة، من دخول مقر رئاسة الجمهورية بتهمة الفساد، وأنه يخضع للتحقيق . وفي ما يتعلق بوزير النفط شكيب خليل، الذي عينه بوتفليقة في المنصب عام 1999ثم عينه بعد سنتين رئيساً لشركة “سوناطراك” البترولية، وكان وقتها أيضاً رئيساً لمنظمة “أوبك”، فقد كان أكثر شخص أضر بسمعة بوتفليقة في ملف الفساد .

وقد أصدرت الجزائر شهر أغسطس/آب 2013 مذكرة توقيف دولية في حق الوزير شكيب خليل في قضايا فساد متصلة بشركة “سوناطراك”، تتعلق أساساً بتلقي رشاوى وعمولات . ودافع الوزير شكيب خليل عن نفسه عبر سلسلة حوارات مع الصحف الجزائرية، أكد فيها استعداده للمثول أمام القضاء الجزائري، لكنه يوجد حالياً في الولايات المتحدة، حيث لا توجد اتفاقية قضائية بين البلدين تلزم بتسليمه للجزائر . أما ملف الفساد الثالث، فيخص مشروع إنجاز أكثر من 1200 كيلومتر من الطريق السيار الذي يربط شرق البلاد بغربها، وكانت كلفته الأولية تقدر بسبعة مليارات دولار، لكنها ارتفعت مع السنين إلى أكثر من 13 مليار دولار .

ويوجد وزير الأشغال العمومية، عمار غول، وهو إسلامي دخل حكومة بوتفليقة من بوابة “حركة مجتمع السلم” الإخوانية، قبل أن يؤسس حزب “تجمع أمل الجزائر” صيف ،2012 يوجد في قلب هذا الملف، الذي لا يزال يخضع للتحقيق، لكن الوزير عمار غول، تحدث مراراً عن براءته، وعلل ذلك باستمرار “تجديد الثقة فيه كوزير، حيث يوجد الآن في حكومة الوزير الأول عبدالمالك سلال، وزيراً مسؤولاً عن قطاع النقل” .

لكن المراقبين للشأن الجزائري يفضلون الإشارة إلى أن المشكلة الحقيقية التي تواجه الرئيس بوتفليقة أمام رغبته في المرور إلى ولاية رابعة ليست تهم الفساد، بقدر ما هي اعتلال صحته بشكل كبير، عندما أصيب شهر إبريل/نيسان 2013 بجلطة دماغية، اجتهد الإعلام الحكومي في تفسيرها وإعطائها أسماء طبية مخففة، من قبيل “نوبة إقفارية عابرة”، للتقليل من الانطباع المخيف الذي تتركه دائماً كلمة “الجلطة الدماغية” .

وفي عام ،2005 أي بعد سنة واحدة من فوزه بولاية رئاسية ثانية، سقط بوتفليقة لأول مرة مريضاً بقرحة في المعدة، ونقل وقتها على جناح السرعة إلى مستشفى “فال دوغراس” العسكري الفرنسي للعلاج، ومنذ ذلك الوقت وهو يعاني صحياً، قبل أن يفاجئه المرض مجدداً شهر إبريل/نيسان 2013 بالجلطة الدماغية .

والعارفون بالشأن الجزائري، يقولون إن الرئيس بوتفليقة فعلا بدأ يتعافى من الجلطة الدماغية التي ألمت به، لكنها تركت آثاراً صحية أخرى لا يمكن معها الترشح لولاية رابعة، منها مثلاً عدم قدرته على تحريك بعض الأطراف وعدم القدرة على الوقوف، وقد ظهر بوتفليقة في أكثر مناسبة على التلفزيون الحكومي، وهو يستقبل ضيوفه من داخل الجزائر وخارجها، جالساً على كرسي .

ويتساءل خصوم بوتفليقة عن الكيفية التي سيدير بها الرئيس المرشح لولاية رابعة حملته الانتخابية في بلد يضم 48 محافظة مترامية الأطراف على مساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع .

ويجيب الأمين العام لجبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)، عمار سعداني، عن هذا السؤال بكثير من الإثارة، حيث قال مؤخراً في تصريحات صحفية إن “مكتسبات بوتفليقة التي حققها خلال ثلاث ولايات رئاسية تكفيه لترافع عنه في حملته الانتخابية المقبلة عام 2014” .

وقال سعداني، كأنه يقدم معلومة مهمة للجزائريين، إن “الوقت لم يحن بعد للحديث عن الحملة الانتخابية، فخلال الأشهر المقبلة سيتم تعديل الدستور، وستكون هناك مفاجآت” .

ومتابعة لتصريحات سعداني، يبدو أن الأمين العام للحزب الحاكم كان يقصد استحداث منصب نائب للرئيس بوتفليقة في التعديل الدستوري المقبل، ستوكل إليه مهمة القيام بحملة الرئيس بوتفليقة في الميدان، وقد يكون نائب الرئيس هو رئيس الجزائر القادم، إذا حدث طارئ صحي سيئ لبوتفليقة .

لكن المعارضة التي توجد الآن في حالة تشتت بين إسلاميين وليبراليين، بحيث لا يوجد أي توافق بينها على اسم محدد ترشحه كمنافس للرئيس بوتفليقة، تصرّ على فكرة رفض ترشيح بوتفليقة بحجة وضعه الصحي، وتطالب بتأجيل تعديل الدستور إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية .

وفي وقت سابق، وتحديداً في خريف ،2008 فشلت المعارضة في منع الرئيس بوتفليقة من تعديل الدستور، لأنه استعان بأغلبية هيئة اسمها “التحالف الرئاسي”، لتمرير تعديل يسمح له بالترشح لولاية ثالثة . وكانت هيئة التحالف هذه ذات أغلبية في البرلمان، وهي تضم جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وإخوان الجزائر، قبل أن ينسحب الإخوان (حركة حمس) بعيد ثورات “الربيع العربي” ،2011 ظناً منهم بأن الربيع سيوصلهم إلى رئاسة الجزائر، كما حدث في بلدان “الثورات العربية” .

وبعيداً عن الخلاف الظاهر بين المعارضة والرئيس بوتفليقة، هناك من يفضل الحديث عن الصراع التقليدي بين مؤسسة الجيش ومؤسسة الرئاسة في الجزائر منذ أيام الثورة وحتى الاستقلال، لمحاولة تفسير الجدل السياسي الكبير قبيل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة .

وتاريخياً في الجزائر، كان هناك تداخل كبير بين مؤسستي الرئاسة والجيش (السياسة والعسكر)، منذ أيام الرئيس أحمد بن بلة، مروراً بعهد الرئيس (العقيد) هواري بومدين، وفترة الرئيس (العقيد) الشاذلي بن جديد، والرئيس محمد بوضياف، والرئيس (العقيد) علي كافي، والرئيس (الجنرال) اليامين زروال، ووصولاً إلى الرئيس (الرائد) عبدالعزيز بوتفليقة . ووفق هذا المنطق، فقد منح الصراع مؤخرا الأفضلية للرئيس بوتفليقة على حساب بعض جنرالات الجيش، عندما قام في سبتمبر/أيلول 2013 بإحداث تغييرات على جهاز المخابرات، أنهى بها مهام كبار المسؤولين على جهاز المخابرات الداخلية وجهاز مكافحة التجسس الخارجي . وهذه التغييرات طالت من وصفتهم الصحافة الجزائرية، ب”صقور” الجيش، الذين كان بعضهم وراء فتح تحقيقات أمنية تلتها تحقيقات قضائية في ملفات الفساد التي طالت رجال الرئيس بوتفليقة، خصوصاً وزير النفط شكيب خليل . ومما سبق، يمكن القول إن الرئيس بوتفليقة نجح في تحييد خصومه للترشح لولاية رابعة، لكنه لا يزال يواجه خصماً عنيداً اسمه “المرض” .

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.