.
.
.
.

تونس ما بعد مؤتمر الاستثمار.. توقعات وتخوفات

نشر في: آخر تحديث:

يوجد شبه إجماع في تونس على أن الحكومة قد نجحت في تنظيم المؤتمر الدولي للاستثمار يومي 29 و30 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، الذي مثَّل فرصة لتقديم صورة جديدة عن تونس، غير التي اقترنت بالعمليات الإرهابية أو بتصدير الشباب المتطرف إلى بؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا.

برزت هذه الصورة الجديدة بالخصوص عبر إعادة تقديم تونس كوجهة جاذبة للاستثمار، وذلك في انتظار تحقيق نتائج واقعية على الأرض، لا الاكتفاء بالوعود التي ميّزت خطابات الوفود المشاركة في مؤتمر "تونس 2020".

أما على المستوى المجتمعي، فهناك تخوفات من أن يكون ما حصل من وعود مجرد "أضغاث أحلام"، مثلما حصل في تجارب أخرى، فضلا على الإقرار بأن جوهر المشكل يكمن في غياب الإدارة السياسية للأزمة الاقتصادية والمالية، وفق ما ذهب إليه عدد من الخبراء.

احتفاء حكومي بالنجاح

مظاهر النجاح برزت أيضا من خلال ظروف وإمكانيات التنظيم، وهو ما أعطى صورة إيجابية تناقلتها وسائل الإعلام الدولية والتي أشارت إلى أن تونس تبدو في طريقها لاستعادة "عافيتها"، بعد سنوات من ثورة 14 يناير 2011.

وشهدت هذه الست سنوات تقلبات خلّفت حالة من عدم الاستقرار، كان لها تداعيات كارثية على الاقتصاد، خصوصا وأن التوازنات المالية للدولة قد اختلت بشكل غير مسبوق، لتجد البلاد نفسها غارقة في التداين.

بالأرقام، يُعد المؤتمر أيضا ناجحاً. وقد صرح رئيس الوزراء التونسي، يوسف الشاهد، بأن تونس حصلت على تعهدات تمويل قيمتها 34 مليار دينار أي حوالي 14.8 مليار دولار في مؤتمر الاستثمار الذي عُقد على مدى يومين في العاصمة التونسية.

وكان رئيس الحكومة قد أكد أمام ضيوف المؤتمر على أن "تونس عائدة بقوة إلى ساحة الاستثمار الدولية بفضل استقرارها الأمني والسياسي وموقعها الجغرافي وتجربتها وطاقاتها البشرية والطبيعية".

وأشار الشاهد، في كلمة ألقاها أمام ضيوف تونس المشاركين في الندوة الدولية للاستثمار "تونس 2020"، أن "البلاد آمنة وتتوفر على جميع مقومات الاستقرار والتنمية والاستثمار بفضل نجاح الانتقال السياسي وتوفر الإرادة السياسية وتضحيات المؤسستين العسكرية والأمنية في مقاومة الإرهاب".

تخوفات وتوقعات

مقابل "حماس" الطرف الحكومي لنتائج المؤتمر، هناك من ينظر لما حصل بحذر بل بتشكيك، ويرى أن "الخطاب الرسمي" موغل في التفاؤل، وأنه على "الجهات الرسمية أن تقنع التونسيين بالحجج أن ما شهدته تونس أيام 29 و30 نوفمبر/تشرين الثاني هو فعلا ندوة دولية للاستثمار وليس مجرد أيام دولية للاقتراض".

وهنا يعتبر عدد من المتابعين والخبراء، أن تونس تمكنت خلال المؤتمر من ضمان قروض للسنوات الخمس القادمة، وبالتالي مزيد من إثقال كاهل البلاد بالمديونية.

وكان وزير المالية السابق، سليم شاكر، أكد على أن نسبة المديونية ستكون في حدود 56% في نهاية سنة 2016، وهي نسبة ما زالت تعتبرها الدوائر الرسمية معقولة مقارنة بدول أخرى شبيهة بتونس تتراوح فيها نسبة المديونية بين 70 و90%.

بالعودة لما تحصلت عليه تونس من مؤتمر الاستثمار، فإن المبلغ الملزم والحقيقي الذي توصلت به هو في حدود مليار دينار، أمّا البقيّة فهي عبارة عن وعود وتعهدات.

كما أن الملاحظة البارزة تكمن في طغيان الجانب الحكومي على الاتفاقات والوعود، في المقابل يكاد يكون القطاع الخاص شبه غائب.

الثورة أهملت الاقتصاد

من جهة أخرى، هناك إقرار في تونس بأن الحكومات المتتالية بعد الثورة قد أهملت الجانب الاقتصادي والاجتماعي.

وهذا الأمر جعل إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية يتجاوز قدرات الحكومة (أي حكومة وليست الحالية بعينها) حيث أن "المسألة الرئيسية اليوم تتمثل في القدرة على إدارة هذه الأزمة بأقل تكلفة اجتماعية واقتصادية ممكنة على غالبية التونسيين".

ويعتبر الخبراء أنه على الحكومة أن تعترف وتقر بأن حل هذه الأزمة ليس مطروحا على المستوى الوطني، وأن كل ما في وسع الحكومة هو إيجاد سبل لإدارة هذه الأزمة، وذلك نظراً لوجود تحديات تتجاوزها أصلا، من مثل تواصل أزمة الاقتصاد العالمي الذي ما زال لم يتعاف إلى اليوم خاصة في أوروبا، باعتبارها الشريك الرئيس للاقتصاد التونسي.

هذا فضلا عن وجود تونس في محيط عالمي وإقليمي تغلب عليه مظاهر عدم الاستقرار خاصة مع شيوع الإرهاب الذي أصبح عابرا للحدود وللدول.

ولعل الهجمات الإرهابية هي التي ألحقت ضربات موجعة بالاقتصاد التونسي، خاصة في القطاع السياحي الذي يوفر طاقة تشغيلية كبيرة ويدر موارد مالية هامة بالعملة الصعبة، كما ينَشِّط عديد القطاعات الخدماتية والإنتاجية.