.
.
.
.

انتهاكات الشرطة التونسية تحت المجهر.. شبان يروون

نشر في: آخر تحديث:

اتهامات عديدة طالت الشرطة التونسية مؤخراً حيث أكد عشرات الشبان تعرضهم لسوء المعاملة بمراكز الاحتجاز عقب الاحتجاجات الأخيرة في البلاد، والتي تخللتها أعمال شغب وسرقات، اعتُقل خلالها ما يزيد على 1600.

أحمد قم (21 عاماً) ، أحد هؤلاء الشبان الذين تعرضوا لعنف الشرطة، بحيث لم يعد يقوى على النهوض من سريره الخشبي المتواضع في بيته ببلدة بنان، قرب مدينة المنستير الساحلية، قال لوكالة "رويترز" إنه تعرض لتعذيب شديد أثناء اعتقاله في نهاية الشهر الماضي عقب موجة الاحتجاجات.

دموع وتفكير بالانتحار

داخل غرفته التي تنبعث منها رائحة رطوبة شديدة، وتبعثرت فيها ملابس وأوان قديمة، لا تتوقف دموع أحمد وهو يروي كيف كان أفراد من الشرطة يقومون بتعذيبه.

كما أكد أنه فكر بالانتحار في المستشفى بعد أن علم أنه فقد خصيته.

إلى ذلك، أضاف أحمد، الذي يواجه اتهامات بسرقة متجر أثناء الاحتجاجات في منطقة بنان: "لقد كبلوا يدي ووضعوا عصا خشبية بين رجلي وعلقوني بين طاولتين وبدأوا تعنيفي في كل مكان من جسدي".

وأطلق سراح الشاب مؤقتاً بسبب وضعه الصحي، بعد شهادة طبية تمكنت رويترز من الاطلاع عليها.

فتح تحقيق

وعقب حادثة التعذيب الذي تعرض له الشاب التونسي، قرر قاض بمحكمة المنستير فتح تحقيق في القضية. والجمعة أعلنت المحكمة أن القاضي وجه استدعاء لثلاثة أشخاص لسماعهم غدا الاثنين بعد أن قام بتحديد هوية ثلاثة أشخاص كانوا مع الشاكي أحمد قم.

لكن سلمى الشايب، والدة أحمد، أكدت أنها لن تقبل سوى بحق ابنها وسجن من عذبوه حتى يخمد لهيب ألمها قليلاً.

في حين رفض متحدث باسم وزارة الداخلية التعليق على الحادثة لافتاً إلى أنه لا يمكنه التعليق على قضية ينظر فيها القضاء.

بدورها، كشفت رانية العمدوني، وهي ناشطة تشارك تقريباً في كل الاحتجاجات بالعاصمة تونس، أنها ملاحقة من عناصر أمنية بالزي المدني ومن عناصر نقابية ترابط أمام بيتها سعياً لاعتقالها فقط لأنها تشارك في الاحتجاجات.

كما أضافت أنها غادرت بيتها وتحتمي في مكان آخر خشية الاعتقال كما حصل مع نشطاء آخرين.

يشار إلى أن الاتهامات بسوء المعاملة والتضييق على المحتجين والتعذيب أحياناً في مراكز الاحتجاز تثير مخاوف منظمات حقوقية محلية وخارجية من قمع حرية التعبير والتظاهر.

رصد عشرات الحالات

ووثقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان "انتهاكات جسيمة" قالت إنها شملت التعذيب والمضايقة والضرب للمحتجزين ضمن موجة الاعتقالات الأخيرة التي شملت عدداً كبيراً من الأطفال.

كما أكد كاتب عام المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، منذر الشارني، أن المنظمة رصدت عشرات من حالات التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز، بما في ذلك ضد القصر.

الداخلية تستنكر

في المقابل استنكرت وزارة الداخلية الاتهامات، وقالت إن جهاز الأمن يتطور بثبات ويشهد إصلاحات جذرية منذ عشر سنوات ويحسن الملاءمة بين فرض القانون واحترام الحقوق والحريات. وطالبت من يدعي التعرض لانتهاكات بالتقدم إلى القضاء.

وأكد الناطق الرسمي باسم الاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي، العميد جمال الجربوعي، أنه يرفض "شيطنة المؤسسة الأمنية" التي هدفها حماية الأمن العام واحترام الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.

وقال لرويترز: "تحصل بعض الأخطاء الفردية أحياناً ولكن المؤسسة الأمنية تتطور وتعمل بجد. ونحن نسعى لتطوير عملنا ونتمسك بضبط النفس رغم استفزازات المحتجين للشرطة"، مضيفاً أنه بمقارنة تعامل الأمن الفرنسي مع احتجاجات السترات الصفراء بتعامل الشرطة التونسية مع الاحتجاجات الأخيرة، يظهر مدى التطور في أداء الشرطة التونسية.

جرس إنذار

يشار إلى أنه منذ 2011 ركزت القوات الأمنية جهودها بشكل خاص على مقاومة المجموعات الإرهابية ونجحت في الحد من خطورتها في السنوات الأخيرة خصوصاً.

ويرى مراقبون أن سجل الشرطة في مجال حقوق الإنسان أصبح أفضل مما كان في الفترة التي سبقت الثورة. لكن عودة ارتفاع نسق انتهاكات الشرطة خصوصاً في الفترة الأخيرة ينظر إليه نشطاء على أنه جرس إنذار يستوجب الاصطفاف للدفاع عن الحريات.

كما يؤكد هؤلاء الشبان المحتجون ونشطاء أن الانتهاكات التي حصلت لن تثنيهم عن مواصلة الاحتجاج والسعي إلى مستقبل أفضل.

لن تخمد أصوات المحتجين

وقال حمزة نصري، أحد الشبان الذين اعتقلوا على خلفية المشاركة في احتجاجات بالعاصمة، إنه لاقى معاملة سيئة طيلة ثلاثة أيام من الاحتجاز، ولم يقدم له الأكل خلالها لأنه كان يُنقل يومياً إلى مركز احتجاز بالمحكمة حيث يقضي وقتاً طويلاً قبل إعادته إلى مركز الاعتقال بعد فوات موعد تقديم الطعام. وتعهد حمزة بأن الانتهاكات التي حدثت معه ومع عشرات آخرين لن تنجح في إخماد أصوات المحتجين.

من جهتها، أكدت مديرة منظمة العفو الدولية لشمال أفريقيا، آمنة القلالي، أن المنظمة وثقت عدة حالات انتهاكات جسيمة، وتعتقد أن انتهاكات الشرطة خلال الاضطرابات الأخيرة كانت منتشرة على نطاق واسع، مضيفة: "ثبت بوضوح أن هناك انتهاكات واسعة النطاق رافقت تصدي الدولة والأجهزة الأمنية" للاحتجاجات.

"لم أكن أتخيل"

وفي مدينة القصرين، اشتكى محمد هداية البناني من سوء معاملة تعرض لها أثناء احتجازه. وقال لرويترز إنه اعتقل بسبب مواقفه من الوضع السياسي والاجتماعي على فيسبوك، لافتاً: "لم أكن أتخيل أن يحصل ما حصل لي. لقد اقتحم عشرة أعوان بيتنا واقتادوني إلى مركز أين تعرضت لمعاملة قاسية وضربوني بشدة".

كما ذكر أن القاضي برأه من اتهامات بالتحريض على الأمن، لكنه مازال يتعرض لمضايقات وتهديدات.

وسمحت السلطات التونسية لمنظمات ولجنة برلمانية بزيارة مراكز الاحتجاز. إلا أن ليلى الحداد، النائبة في البرلمان عن حزب الشعب، قالت إن الزيارات كانت كأنها بروتوكولية ولا تعبر عن حقيقة الوضع في مراكز الاحتجاز.