خاص

رحلة عبر الزمن.. الودع من عملة اقتصادية إلى جالب للحظ ومهدئ

الباحث الاجتماعي محمد محمود ولد السعيد أكد للعربية.نت أن الصدف في غرب إفريقيا كانت له قيمة اقتصادية واجتماعية جعلته من الأشياء الثمينة لدى شعوب المنطقة

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

للوَدع أهمية ورمزية في حياة شعوب غرب إفريقيا، فعبر العصور تحوّلت مهمته من التجميل إلى الصحة ثم استعماله كعملة، ولاحقا لجلب الرزق والبركة وقراءة الطالع وفك السحر ودرء العين.

فالصدف والقواقع البحرية الصغيرة التي نجدها على شاطئ البحر، تتغلغل في حياة سكان غرب إفريقيا وتدخل في العديد من الاستعمالات، ومنذ قديم الزمن كان سكان غرب إفريقيا يلتقطون هذه الرخويات البحرية على الشاطئ ويتناولون الكائن الرخوي الهش الموجود داخلها، ثم يحتفظون بالصدفة ليستعملوها لاحقا في أشياء مختلفة كل بلد حسب الاعتقادات التي نمت على مدى قرون حول هذه الصدف البحرية.

الأصداف البحرية (آيستوك)
الأصداف البحرية (آيستوك)

"دليل على الثراء والقوة"

ومن المعتقدات السائدة حول أهمية الودع في منطقة غرب إفريقيا أنها تجلب البركة والحظ لمن يحتفظ بها في جيبه، ومرد هذا الاعتقاد أن الودع كان يستخدم سابقا كوسيلة للدفع وكانت حيازته تشكل علامة مهمة على الثراء والقوة.

وظهر الصدف في نقوشات وحفريات أثرية تحمل دلالات اقتصادية قوية مثل "العملة" و"المال" و"الشراء" و"القيمة"، مما يؤكد استعمالها كأداة للدفع والشراء حيث تم جلبها من المناطق الساحلية بواسطة البحارة المحليين لاستعمالها كعملة، وكانت قيمتها ترتفع في المناطق النائية البعيدة عن السواحل والأنهار.

الأصداف البحرية
الأصداف البحرية

الودع الحاضر في كل المناسبات

كانت قوافل التجار تجد في استعمال الصدف كعملة وسيلة آمنة للدفع، واستفاد منه البرتغاليون والفرنسيون والإنجليز والهولنديون بسبب ميل بعض القبائل الإفريقية إلى التعامل بالأصداف كوسيلة لبيع منتجاتهم وشراء سلع أخرى.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث الاجتماعي محمد محمود ولد السعيد إن الصدف في غرب إفريقيا كانت له قيمة اقتصادية واجتماعية جعلته من الأشياء الثمينة لدى شعوب المنطقة، فهو كمعيار اقتصادي كان يمكن شراء بقرة مقابل حفنة من الودع، وهذا مؤرخ في كتب التاريخ وفي المتاحف المخصصة للعملة.. وكان استخدامها كعملة من خليج غينيا إلى غانا ونيجيريا والكاميرون مرورا ببوركينا فاسو ومالي والنيجر.

ويشير إلى أن استعمال الودع كعملة بدل المقايضة بالمنتجات الغذائية التي كانت سائدة سابقا، حظي بإعجاب وإقبال الأفارقة، بحكم أن السلع معرّضة للتلف ولا تتحمل ظروف الطقس والنقل فيما الصدف فهي صغيرة الحجم ويمكن حملها بسهولة ويكفي عدها أو وزنها لتحديد قيمتها.

ويضيف في حديثه لـ"العربية.نت" أيضا كان الكهنة الروحانيون يستخدمونها لقراءة الطالع والتنبؤ بالمستقبل ومعرفة مصير الإنسان الغائب أو التائه في الصحراء، ولعلاج المرضى والتخلص من العقم.

ويشير الباحث إلى أن الودع كان حاضرا خلال احتفالات القبائل الإفريقية كزينة للنساء وتميمة للرجال، ففي أعراسهم وحفلات النصر بعد الحروب تظهر قيمة الودع، وكيف أنه المفضل لرؤساء القبائل الذين يرتدونه حول أعناقهم ويزينون بها تيجانهم وسيوفهم كدليل على الثروة والرخاء.

ويؤكد الباحث أنه إلى اليوم تعترف بعض الشعوب بفضل هذه الصدف وقيمتها باعتبارها تملك طاقة قوية للغاية وتضمن العلاج ودرء العين الحاسدة، حيث نجدها تزين أعناق النساء ومعاصم الأطفال والرضع باعتبارها رمزًا للخصوبة، وتستعمل أيضا لدرء العين عن النشاط التجاري والمحاصيل الزراعية، كما أن البعض يستعملها كأداة لتغليب رأيه والسيطرة على الغير إيمانا منه بأن ارتداء الودع سيجعله يحظى بتقدير أكبر بين بعض الناس.

الأصداف البحرية
الأصداف البحرية

للزينة وعلاج السحر

رغم أن أصداف الودع تتشابه إلى حد كبير، إلا أن بها أنواعا وأشكالا فريدة من نوعها، حتى إن الناظر إليها يُخيل له أنها مصنوعة يدويًا بعناية على يد حرفيين، فيما هي قطع فريدة من نوعها تتميز بخصائص مختلفة من حيث شدة البياض والصلابة والملمس إضافة إلى الشكل.

وتفضل النساء الإفريقيات حاليا الأصداف الصغيرة التي يتم نظمها في أساور وقلائد وتزيينها ببعض العقيق لتبدو أجمل في تصميم القلادة وترتيب الوحدات من الأكبر ثم الأصغر حجما.

وتقول خبيرة التجميل السنغالية هاوا سيدو إن الودع يحظى بتقدير خاص من قبل النساء في غرب إفريقيا حيث يسود الاعتقاد بأنه يحمل لهن بعض الخصائص المميزة، فحباته مُهدئة وجالبة للحظ وجاذبة للانتباه، حيث تكفي صدفة واحدة منه لتشعر المرأة بأنها تحت رعاية وطاقة هذا العلاج.

وتضيف "الشعوب القديمة كانت تحب استعمال الودع لقدرته على الاحتفاظ بطاقة ضوء الشمس وتهدئة روح الإنسان المحاطة بالظلام، كما أنهم كانوا يعتقدون أن هذا الحجر قادر على تحفيز الطاقات الجنسية والخصوبة".

وتشير في حديثها لـ"العربية نت" إلى أن الاعتقاد بتأثير الودع على الحياة في مجتمعات غرب إفريقيا لايزال قويا وممتدا إلى اليوم، وتقول "هناك اعتقاد بأن الودع قادر على إجراء تغييرات جوهرية في حياتنا وإيجاد الحلول بدلاً من المشاكل، كما أنه يعزز بشكل عام الاستقرار الداخلي والهدوء والنضج والثقة بالنفس والشعور بالأمان.

وعن باقي استعمالات الودع تقول الأخصائية "يستعمل الودع في قراءة الطالع ويكون حاضرا في أغلب جلسات النساء حيث إنهن يتسلّين برمي حباته كالنرد وتفسير الأشكال التي يرسمها في كل رمية.. كما يستعمل في فك السحر والشفاء من بعض الأمراض".

وعن فوائده التجميلية تقول: يستخدم مسحوق الودع لعلاج بعض مشاكل البشرة كسواد بعض المناطق والبثور والتجاعيد، من خلال خلط المسحوق بعناصر أخرى حسب نوع العلاج الذي تتطلبه كل حالة، وهو فعّال جدا، ويمكن استخدامه لأغراض الزينة بصنع إكسسوارات وحلي.

وتشتهر منطقة غرب إفريقيا بأنواع نادرة من العقيق الإفريقي منها "حجر الغروب" أو ما يسمى بـ"ملك العقيق" الذي يتميز بأشكاله الملونة الجميلة وتنوعه وصلابته، وتتوفر هذه الأنواع النادرة من العقيق في المناطق التي شهدت نشاطات بركانية وتدفق الحمم البركانية الغنية بالسيليكون.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.