"دلالة" واد كنيس بالجزائر.. حين تتحول التجارة إلى هواية

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

تعيش "دلالة" وادي كنيس (سوق البَاعة المتنقلين في الجزائر)، أجواء استثنائية في شهر رمضان، إذ يتحوّل من مساحة تجارية لا تتوقف فيها حركة بيع وشراء السلع المستعملة، إلى ملتقى لسكان الأحياء العاصمة، يستغلونه في تبادل أطراف الحديث وقضاء الوقت قبل ساعة الإفطار.

فقد رصدت "العربية.نت" تلك الأجواء التي تميز أحد أشهر الأسواق الشَّعبية في الجزائر.

حركية تجارية لا تنقطع

الأصليُّ والمُقَلَدُ .. القديمُ والجديدُ.. الرَّائج والنادر.. كل ما يبحث عنه الدَّاخل لـ"دلالة"، لا شكّ سيعثر عليه، بل ولا شك بسعر لا يُنافسه محل ولا موقع إلكتروني.

ورغم أنَّ عدد الباعة قد لا يفوق بضع عشرات، إلاّ أن كل واحد منهم يتفنن في عرض سلعة متنوعة بين ألبسة وخردوات وحتى أجهزة إلكترونية وغيرها.

فاصل كلمة "الدلالة" بالعامية الجزائرية هو "التدليل" بالشيء، أي التنقل لبيعه، قبل أن تتحول ذات السوق، والأسواق المشابهة إلى أمكنة قارة للبيع، أو أسواق فوضوية.

"ما نزيدلكش فوق ألف وخمسمية.. " (آخر ثمن أعطيه لك هو 1500 دينار)، قال رضا بن سعيدي لسائقٍ أوقف سيارته في مدخل شارع "وادي كنيس" شرق وسط الجزائر العاصمة.. كان الرجلان يتفاوضان حول سعر خزان مائي قديم، الأرجح أن صاحب السَّيارة أراد أن يتخلص منه بأيّ ثمن، كونه لم يركن حتى سيارته بشكل جيد.. ورغم ذلك لم يتفق الاثنان على المبلغ.

وعاد رضا إلى المكان الذي اختاره ليبيع أدوات وأواني من النحاس القديم وكذا الخردوات، وهم يُدمدم: ".. خزان مائي كبير سيشق علي كثيرا نقله من مكان لآخر .. " وأضاف:".. خيرها في غيرها".

وعندها تقرّبنا من رضا، الذي رحب بعدما كشفنا له هويتنا: "مرحب بكم عندنا .. هنا ستعثر على كل شيء تبحث عنه .. "، وأضاف راسما ضحكة، انكمشت لها ملامحُ وجههِ وبدت تجاعيد تكشف في لحظة ما يكون الرّجل قد عاشه من عملٍ وكدٍ خلال 52 سنة:".. ولو كان ذلك تصريحا لموقعكم الالكتروني".

وعند السَّاعة السَادسة والنصف صباحا: قال ".. نعمل هنا منذ ساعات الفجر، وأغلب الباعة هنا يُغادرون مع منتصف النهار"، وأضاف وهو ينغمس في سترته ويحتمي بغطاء الرَّأس من البرد القارس:" .. البعض هنا يشتغل منذ عشرين إلى ثلاثين سنة. نحن نشتري الأشياء القديمة ونبيعها، يأتي أشخاص يعرضون علينا سلعهم، نشتريها بثمن ونبيعها بآخر، بهامش ربح غير محدد، بل قابل للتفاوض في كلّ مرّة. أحيانا نربح وأحيانا أخرى نخسر، مثل كل التجارات".

وتابع قائلاً "وبما أنني مختصٌّ في النحاس، فإنّ الكثيرين يقصدونني لأشتري منهم القطع النحاسية".

موقع إلكتروني للبيع

إلى ذلك زادت شهرة شارع واد كنيس، بعدما استحدث أوّل موقع إلكتروني للبيع في الجزائر، وحمل نفس الاسم: " .. شخصيا أنا أقوم بعرض والترويج لسلعتي .. أعتقد أنَّ زبائن السوق الواقعية أكبر من زبائن السوق الافتراضية. أو على الأقل هذه تجربتي أنا".

واصلنا جولتنا في شارع "واد كنيس"، الذي يُجانب حي رويسو، الأخير الذي كثرت فيه الحركة التجارية، بعدما صار منذ سنوات مكانا لتقاطع خطوط "الترامواي"، و"الميترو"، والعربات الهوائية، وكذا مواقف للنقل البري.

كما تفقدنا بعض الأشياء التي تباع هنا وهناك، حيث يلاحظ أنّ الأشياء ذات الرمزية التاريخية والثقافية أيضا تباع على الأرض، من لوحات فنية للفنان الجزائري الكبير محمد اسياخم، وبورتريه للمجاهد في الثورة الجزائرية العربي بن مهيدي، وروايات للكاتب محمد مفلاح وعبد المالك مرتاض والمنفلوطي وجبران خليل جبران، وغيرها من التحف والأشياء القيمة والثمينة.

وبمرورنا من الباعة، أثار اهتمامنا سليمان الرَّجل المُرتحل، كما سمى نفسه، ونحن نسأله عن عمله: "أتنقل بين "دلالات" مختلفة، من سوق المكسيك بقليعة (غربي العاصمة الجزائر) إلى سوق الحراش شرقا، فلعقيبة في الوسط أو غيرها. لا أحبذ البقاء في سوق واحدة. وحتى هذه الطريقة تمكنني من بيع سلعتي بسرعة أكبر".

السوق لميسوري الحال أيضاً

وأضاف: "عكس ما يعتقد البعض، فإنّ هذه السوق ليست حكرا على متوسطي وضعاف الدخل. لا أبدا. الكثير من ميسوري الحال يأتون إلى هنا، بل ويفاوضون على الدنانير أيضا. ربما الشراء من "الدلالة" هو هواية لديهم، مثلما هي بالنسبة لي. رغم أن الأكيد أن ما يجده المرء هنا، قد لا يعثر عليه حتى في المحال الفاخرة، مثل الألبسة الأصلية التي تقدم إلى الجزائر عبر "الكابة" (وتعني الحقيبة للدلالة على أنها قادمة من وراء البحار)، وكل هذا بأسعار رخيسة، فقد ينزل سعر القطعة الواحدة من 15 ألف دينار إلى ما دون الألف دينار".

كما أشار إلى أن الأمر "في رمضان مختلف"، وتابع ".. تصبح الدلالة مقصدا للجميع، سكان العاصمة كلهم يأتون إلى هنا، ليس للبيع والشراء فقط، ولكن حتى للتفسح، أبناء الحي ممن غادروه منذ مدة، يقدمون للالتقاء هنا، وقضاء بعض الوقت، وتقاسم الذكريات، أصبحت هذه المساحة إرثا مشتركا بين العديد ممن عايشوا فتراته المختلفة".

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.