حزبنا المتطرف متى؟
يتعادل التواجد الفرنسي والجزائري في المهرجان الدولي السادس للأدب وكتاب الشباب، ولا يمكن أن ترى الاختلاف سوى في أنه يعقد في العاصمة الجزائرية هنا وليس في باريس أو ضاحية من ضواحيها.. وبدل من أن يتحرر الخيال الجزائري، كما يبدو على شعار المهرجان، ينغمس أكثر في لغة فولتير من الطفل إلى الشاب في مهرجان مخصص للشباب والناشئة تناقش مواضيع التاريخ والايديولوجيات والفلسفة بلغة فولتير، وتكتب الإشارات واللوحات بلغة فولتير، بينما الدولة التي تقيمه على أرضها من أموال شعبها، ينص دستورها على أن اللغة الرسمية هي العربية و99 بالمائة من برنامجها الدراسي بهذه اللغة، أليس هذا الانفصام بعينه في كل تجلياته اللغوية والتاريخية والثقافية والحضارية، فلما يتساءل المرء كيف أنتجنا جيلا لا يتقن أي لغة، وبلا مرجعية لا أدبية ولا فكرية ولا ولا... لا أحد ضد تعلم اللغات، لكن أن تصبح اللّغة حاملة لثقافة ما، وتوجه ما واقتصاد ما وولاء ما.. فتلك الكارثة التي نعاني منها ..
إن أكثر ما يضر بالأمم ويشتّت الصفوف هي مسألة الولاء لغير الوطن، وإن كانت لا تتعلق أبدا بقضية الخيانة بصفة مباشرة، لكن هي مسألة تقديرية أكثر منها مسألة خيانة، كأن ننبهر بجهة ما، أو ثقافة ما، أو نرى أن مصلحة الوطن مرتبطة بهذه الجهة أو ببلد ما وليس بالآخر. فجميل أن ندرك مكمن مصالحنا، ومع من يجب أن نقف، ومع من يجب أن نكون ضد.. مع من يجب أن نطلق يدنا أو نمسكها، لأننا في الأخير ننتمي إلى الإنسانية نفسها وعلاقات التعاون والتبادل لم تتوقف منذ أن عُرف الكون كما هو. لكن الخطورة تكمن في أن يتحول الوطن إلى رقعة صراع لهذه الولاءات، فيضيع في وسطها، وتصبح هذه الجهة أو تلك تنافس الجهة الأخرى على حساب الوطن، ليس من باب ما يخدمه، بل من باب ما ينفع هذه الجهات أو التوجهات، وهنا يبدأ خطر الولاءات، خاصة عندما تصبح مصلحة الجهة فوق كل اعتبار والانتصار لجهة ما ضد أخرى وسط كل الصراعات سواء اقتصادية وسياسية وثقافية، اكبر من الانتصار للوطن. الشيء نفسه بالنسبة للقبيلة أو العروشية أو أي تقسيم آخر. كثيرا ما نسمع من هنا وهناك أن المثقف أو الإعلامي الفلان أو السياسي العلان ذو توجه قريب من هذه الجهة أو تلك وتتردد هذه العبارة ”برو أمريكا” أو ”برو فرنسا” أو ”برو خليج” أو ”برو سعودية” أو ”برو قطر” أو ”بعثي” أو ”برو تركي” أو ” برو روسيا” أو قومي عربي.. وإن كانت هذه التوجهات تنتج عن أفكار ورؤى نتبناها ونؤمن بها للمنفعة العامة وليست الخاصة، فلا ضرر منها، لكن أن تتحول إلى اعتقاد يدافع عنه الشخص بكل الوسائل وبما أوتي من قوة حتى وإن كانت ضد مصلحة بلاده أو يتراءى له أنها في مصلحة بلاده بينما العكس هو الواقع فتلك الطامة الكبرى.
ولا احد في الواقع يقف إلى جانب التطرف أو يتبناه، لكن أحيانا أتمنى أن يكون هناك تيارا متطرفا للجزائر ”برو جزائري” لا غير.. يضع الجزائر ومستقبلها فوق كل اعتبارات وحسابات.. لأنه بعدها ستحترمنا الأمم وسيصبح لنا أيضا في الكثير منها من هم ”برو جزائري”..
*نقلا عن "الخبر" الجزائرية