السياسة أخلاق أيضا

مسعودة بوطلعة
مسعودة بوطلعة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لم يحدّد الشاعر حافظ إبراهيم، في بيته الشهير ”إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”، عن أي فصيل من الأمة يتحدث، أو عن أي فئة؟ لم يقصد المتعلم ولا الجاهل ولا الأمي، لم يعن بشعره لا الاقتصادي ولا السياسي أو رجل الدين. ولم يتعلق الأمر لا بالكبير ولا بالصغير، لا بالتلميذ ولا بالأستاذ، لا بالرئيس أو المرؤوس، لا بالراعي أو الرعية، بل تحدّث بالمطلق عن ”الأمة” بكل مكوناتها وتركيبتها الاجتماعية، في أي زمن أو عصر. والأكيد أنه كلما زادت مكانة الفرد ومسؤوليته داخل المجتمع وأصبح في الواجهة، زادت الحاجة إلى أن يتمتع بالأخلاق بتعريفها المطلق أيضا، والتمسك بتلك الضوابط التي تجعل إنسانيتنا تتفوق على كل ما عداها، واحترامنا لذواتنا كبشر تتجاوز كل إغراءات الحياة وما أكثرها وتلك الضوابط التي تحدّد علاقتنا وواجباتنا ومسؤولياتنا اتجاه بعضنا.

ومن يقول إن السياسة هي فن الكذب والخداع والنفاق والتلون، أي إن السياسة باختصار أن تكون بلا أخلاق، فهو مخطئ. فالتاريخ على طول تواجد الإنسان فوق الأرض، لم يخلّد العظماء بانتصاراتهم فقط، لكن بمآثرهم وأخلاقهم ومواقفهم، ومدى دفاعهم عن مبادئهم وصمودهم أمام إغراءات الحياة. فاحترام الإنسان لمبادئه ومواقفه والدفاع عنها مهما كانت التحديات، ومهما كانت العوائق من قمة الأخلاق. ولو أسقطنا ما سبق ذكره على طبقتنا السياسية في السنوات الأخيرة، والتي يلبس أفرادها كل ألوان الطيف في ظرف قصير، نجد أننا نسير نحو الانحدار الشديد وبسرعة كبيرة. السياسيون عندنا يتلونون كالحرباء ويبيعون مواقفهم وأصواتهم وأشياء أخرى لا يعلم بها إلا الله. يبيعون ولاءهم دون قناعات، حتى إن تعارض ما هم مقبلون عليه مع مبادئهم وتوجّهاتهم إن كانت لهم مبادئ أصلا. والأمثلة كثيرة في ساحتنا السياسية، وما يحدث في البرلمان في كل مرة، عندما يتحول نواب من حزب إلى حزب، لا يحملان أي تقارب في الرؤى والبرامج السياسية، صورة عن الانحطاط الأخلاقي السياسي. كما انه من الأخلاق أيضا يا سادتي أن يعرف المرء قدر نفسه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فمن الأخلاق أن يتنحى عن المسؤولية من هو غير أهل لها، ومن هو غير قادر على تبعاتها. ومن الأخلاق أن يحترم كل فرد قدراته وحاجات من هو يمثلهم مهما كانت نوع المسؤولية التي يؤديها، حتى وإن كان حارس حظيرة سيارات، لأن أكبر مصائبنا أن يتولى أمرنا من يدركون أنهم غير قادرين على تسيير حتى بيوتهم من الداخل والتحكم في ميولات أولادهم.. فما بالكم بوطن كالجزائر؟

ماذا ننتظر من طبقة سياسية كهذه في الظرف الحالية أو الأيام القادمة، أمام رهان البقاء والحفاظ على الجزائر وسط تحديات ومخاطر كبيرة مع ما يحاك في محيطها أو داخلها؟ هل نضمن مستقبل الجزائر كدولة في ظل طبقة سياسية تباع وتشترى؟ أي مستقبل لمجتمع يقوده سياسيون لا يعرفون عنه إلا عدد هيئته الانتخابية وتوزيعها، ولا يملكون من الأخلاق السياسية شيء؟ أي مستقبل لوطن كالجزائر عليه ألف عين ويتربص به الصديق قبل العدو بطبقة سياسية لا تعي مسؤوليتها إلا فيما تحققه من مكاسب مادية لا تضيف إلى رصيدها إلا مزيدا من التبعية لمن ولاّها إياها؟

أيها السادة إن الوضع عصيب ومن يعتقد أن الجزائر أفلتت من فك هذا الربيع الدموي، فهو مخطئ، إننا أمام تحديات تفرض أن نتحلى ببعض الأخلاق من أجل بقائنا، ونتقاسم لقمة العيش باحترام من أجل هذا الوطن.. أما أن نتصارع من أجل مستقبل غير مضمون بدل التفكير فيما يضمن بقاءنا كأمة فذلك قمة الانحطاط الأخلاقي.. الجزائر هي مستقبلنا وإن ذهبت الجزائر ذهبنا جميعا متفقين أو مختلفين .. وكما قال الزعيم لوثر كينغ الذي دفع حياته من أجل حلمه في أن يرى زنجيا يحكم أمريكا ”أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على حياد في أوقات المعارك الأخلاقية الكبرى”.

نقلاً عن صحيفة "الخبر"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.