.
.
.
.

"العربية.نت" تزور بيت بن بلة أول رئيس لـ #الجزائر

نشر في: آخر تحديث:

يكفي أن تسأل أي ساكن في مدينة مغنية التابعة لمحافظة تلمسان أقصى غرب العاصمة الجزائرية عن بيت الراحل أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر، فيهب الجميع ليؤشر عليك بل ويوصلك إلى مقصدك المتواجد في مدخل حي المطمر العتيق. هنا قضى "سي أحمد" بعضاً من زمنه الماضي إنساناً عادياً ورئيساً ومنقلباً عليه.

أول ما يلفت انتباهك الدرج المنبعث إلى رصيف الشارع المحاذي، بلاط يعود إلى العقد العتيق يستقبلك برحابة صدر أهل البيت، نصر الدين تاجوري، ابن الشقيقة الكبرى للراحل أحمد بن بلة، كان في الموعد المحدد، ليطلع العربية.نت على خفايا البيت الذي يضم العديد من الأسرار إلى جانب كل مقتنيات بن بلة الشخصية وعائلته.

دخلنا البيت ...وانبهرنا

تحمل البوابة الرئيسية لافتة تعريفية للبيت، حين يفتح الباب الرئيسي الذي يحف جوانبه خزف مغاربي باللون الأزرق والأحمر والأخضر والأبيض مشكلاً فسيفساء زهرية بألوان الربيع فتبهرك مثلما تبهرك الصور الفوتوغرافية التي تجسد مسيرة الرئيس الراحل في النضال الثوري والسياسي وحين كان رئيساً للبلاد وبعدها.

في مدخل البيت غرفتان، واحدة على اليمين لابنتيه المتبنيتان لا يزال مكتبيهما الصغيران شاهدان على وجودهما، وعلى الشمال صالة استقبال مربعة بها أرائك مخملية خضراء بلون الفستق. هو اللون الذي يبدو أنه المُحبّـب للرئيس وعائلته، التي تربت بين أحضان الزوايا وكتاتيب تحفيظ القران الكريم. صور عائلية لوالدته وأقربائه ولقاءاته بالشخصيات العالمية ورؤساء الدول تحكي كل واحدة منها قصصاً لها بدايات وبلا نهايات.

ماذا قالت والدة بن بلة لهواري بوميدين؟

لكن من بين كل هذه الصور، هناك صورة واحدة تبقى عالقة شاهدة على ما حدث يومين اثنين بعد الانقلاب، صورة والدة أحمد بن بلة وهي تتوسطه مع رفيق كفاحه هواري بومدين، يحتسيان الشاي ويتلقيان النصيحة من الوالدة بالحفاظ على بعضهما البعض، يقول ابن شقيقة الرئيس، لكن الرئيس هوراي بومدين كان قد حسم الأمر بالانقلاب على بن بلة.

في الركن الشمالي من الغرفة راديو قديم يقول نصر الدين إن "الرئيس أهداه لوالده إبان الثورة التحريرية يستقي منه الأخبار".
يتسع البيت أكثر وأكثر بينما تخرج من صالة الضيوف وتمر عبر رواق إلى الباحة التي تجد فيها على اليمين درج يؤدي إلى السطح وبجانبه مطبخ وغرفة أخرى لشقيقة الراحل.

تتوسط الباحة نافورة مياه وأصص للورود وشجرة عنب تظل أهل البيت وتذر عليهم من عنبها الوافر، باحة تفرح برؤياها الأنفس وتكشف سر حب "سي أحمد" (كما يحلو للجميع مناداته) لهذا البيت البسيط في نظر الكثيرين، لكنه كان بيت هناء وسكون للرئيس الذي قلّبت الدنيا مواجعه وارتّد عليه الزمن رغم إنصافه له في آخر أيام حياته المتخمة بالأحداث.

في غرفة نوم الرئيس..

في الجانب الشمالي غرفة كبيرة مفروش فيها صالون مغاربي مخصص للضيوف وللشخصيات التي كانت تزور الراحل قبل مماته وبعده. للغرفة باب آخر يؤدي إلى غرفة نوم بن بلة. باللون الذهبي والزهري لون سرير نوم الرئيس وعلى جنبيه مصباحان يضيئان لياليه المدلهمة ومصحف كبير كان يقرأ فيه القرآن حين حلوله زائراً لمدينة لالـة مغنية.

كل شيء لا يزال مثلما تركه، كأنه رحل بالأمس القريب فقط، ففي خزانة الغرفة بدلاته التي كان يرتديها ومعطف رمادي ومنديل للكشافة الإسلامية الجزائرية التي كرمته في مدينته حين أعلنت عرساً عالمياً لاعتزاله لعب كرة القدم بحضور زعيم الحرية والتحرر الراحل نيلسون منديـلا والعديد من الشخصيات.

سكون الغرف يبعث نسمات لمالك هذا البيت الذي بات موحشاً بدونه، وكأن البيت الذي يحتوي على كنوز الرئيس الراحل بات مهجوراً رغم بعض وافديه الذين قدموا وفاء له ولمواقفه لكنه الأجل حل مع رحيل "سي أحمد".


كتاب عن ليلة الانقلاب..

من غرفة النوم باب آخر يؤدي إلى مكتبة الرئيس، تصيبك الدهشة من المنظر المهيب، يقول ابن شقيقة الرئيس أن المكتبة تضم أزيد من 5000 كتاب في مختلف التخصصات.

المكتبة التي كان الرئيس يقضي أغلب أوقاته في تصفح الكتب والمجلدات بعضها هدايا قيمة من رؤساء الدول والشخصيات، وما يزيد عن 500 رواية مترجمة إلى اللغة الفرنسية، إضافة إلى كتب تلقاها من منظمة حركة عدم الانحياز وأكثر من 1000 أسطوانة موسيقية هدايا من دول شرق أوروبا والاتحاد السوفياتي.

كان الرئيس أحمد بن بلة ينزوي كثيراً في مكتبته ليخط مذكراته الشخصية. وحسب اطلاعنا على البعض منها فقد جهّز كتاباً واتفق مع دار نشر فرنسية لكنه ألغى العقد في الأخير.

ويقول بن بلة في مطلع كتابه: "عالم يحكمه قانون الغاب تم طعني في الظهر ليلة 19 يونيو 1965". ولم يعرف أقرباءه أسباب إلغاء عقد طبع الكتاب ونشره مع الدار الفرنسية لمالكها jeaune claude guillebaud .

للرئيس بن بلة سبع كتب أخرى ومجموعة مذكرات تنتظر من يكشف خباياها للعلن، في وقت لم تتحرك فيه الدولة الجزائرية بعد لحماية مقتنياته والحفاظ عليها بينما تتآكلها الغربة والوحشة في بيت كان الملاذ الوحيد لسكينته التي قلبتها مواجع الدهر.

لوحة للراحل أحمد بن بلة
لوحة للراحل أحمد بن بلة
بيت أحمد بن بلة