.
.
.
.

زيارة إلى ليبيا «الجديدة»

أيمن الصياد

نشر في: آخر تحديث:

فى طريقى إلى مطار طرابلس «الدولى»، وما أدراك ما حال مطار «دولى» فى بلد يعوم على النفط (!) كان السائق قد فتح المذياع على بث مباشر لجلسة «المؤتمر الوطنى العام» المخصصة للتصويت على إقرار قانون العزل السياسى. وهو القانون «المزلزل» الذى ــ لولا ارتباطات مسبقة ــ لكنت انتظرت لأشهد تفاعلاته «وتوابعه». فى تلك المدينة المضياف الودودة.. «والآمنة» رغم زخات الرصاص الليلية، ومسيرات سيارات النقل «المدنية» الصغيرة «البيك أب» المحملة بمدافع ثقيلة مضادة للدروع. (يسميها الليبيون اختصارا: الـ١٤، أى السيارات المحملة بمدافع ١٤ ونصف بوصة.

ترأس الجلسة العاصفة للتصويت على القانون القائم بأعمال رأس الدولة، الحقوقى جمعة عتيقة، وكنت قد التقيته عشية الجلسة فى فندق «الودان» الطرابلسى العريق، ذى التاريخ السياسى الطويل «والملتبس»، محاولا استدراك ما فاتنى من حوار «مهم» على نيل القاهرة حين حالت وعكة صحية دون تلبية دعوة للغداء كان قد تفضل بها المسئول «والمثقف» الليبى فى زيارته الأخيرة للعاصمة المصرية.

•••

قبل يوم من الجلسة، وقبل أن نغادر الفندق فى الصباح إلى سجن «بوسليم» الشهير، مدت إحدى الليبيات يدها إلى إحدى الزائرات «المحجبات» تطلب منها أن تغطى رأسها(!) ورغم أن التقليد مألوف لدى الصحفيين «مراعاة للخصوصيةالثقافية» التى تنص عليها كتيبات الإرشادات التقليدية التى يجرى توزيعها عادة قبل السفر إلى هذا البلد أو ذاك، إلا أن ما كان لافتا فى الأمر أن السيدة المقصودة كانت محجبة بالفعل. ولكن إذا عرف السبب، وله دلالته بطل كل عجب كما يقولون. إذ كان غطاء رأس السيدة بالمصادفة «أخضر اللون»، واتضح أن مرافقينا خشوا أن يتسبب «اللون» فى إغضاب الناس.

الحادثة على بساطتها، لابد من أخذها بالاعتبار حين النظر فى أمر ما جرى من تصويت على قانون العزل، أو فيما سبقه ــ بل وتلاه ــ من تظاهرات مسلحة تنادى به. والذى يصعب عليه أن يتفهم ذلك، عليه أن يزور سجن بوسليم أو يستمع إلى أهالى ضحاياه. بل وربما كان عليه أن يقرأ جيدا دلالات ما جرى للعلم الليبى وللنشيد الوطنى. فضلا عن تحليل مضمون «المعجم اللغوى» لحديث الليبيين فى المنتديات السياسية ومقاهى الشوارع.

والخلاصة، أن الليبيين، ولذلك قطعا أسبابه ودوافعه ومنطقه بدا أنهم قد وصلوا بمعاناتهم إلى حالة يحاولون فيها أن «يجتثوا» من تاريخهم، وواقعهم، بل وذاكرتهم كل أثر لأربعة عقود مضت. بغض النظر عن مدى واقعية ذلك أو ضرورته أو ثمنه. وذلك مفهوم.

•••

فى أوراقى بعض ملحوظات «سريعة» كنت قد دونتها فى انتظار الطائرة، فور أن انتهى البرلمان الليبى من التصويت فى جلسته التى كانت كل شاشات المطار تتابعها، وهنا أعود اليها:

١ــ أن القانون الذى جرى التصويت عليه أمام الكاميرات، أو بالأحرى تطبيق مادته الأولى ذات البنود الإثنين والعشرين، سيمثل تحديا كبيرا أمام الليبيين الراغبين بالتأكيد فى أن يكون انتقالهم إلى الدولة المعاصرة سلميا وديمقراطيا. وأن الآليات التى سيجرى اعتمادها، والمدى الذى ستصل اليه تفاعلاتها، ستمثل (مع التجربة العراقية، والمحاولات المصرية) تجربة تستحق الاهتمام الأكاديمى من متخصصى العلوم السياسة المقارنة المهتمين بدراسة ميكانيزمات التحول فى دول ما بعد الثورات.

٢ــ إن أولئك الدارسين، لابد وأن يستوقفهم، كما ذكر لى زميل الرحلة (أستاذ بجامعة أكسفورد) أن الذين يحكمون حاليا فى ليبيا لم يترددوا فى طرح القانون، رغم أنه قد يطالهم شخصيا بمن فيهم رأس الدولة ذاته «محمد المقريف» بالإضافة إلى نائبه الذى كان يدير الجلسة «جمعة عتيقة» فضلا عن عدد معتبر من الوزراء والمسئولين التنفيذيين ونواب البرلمان، فى حين لم يستهدف القانون المصرى المقارن (أبريل ٢٠١٢) والذى ألغته الدستورية غير خصوم للجماعة الحاكمة كانت قد استشعرت خطرهم وقتها.

ثم إن نص القانون الليبى، أو صياغته، وإن لم يبلغ فى تجرده، وعموميته، وإحكام نصوصه، ما بلغه القانون الذى أصدره مجلس قيادة الثورة فى مصر بعد ثورة يوليو (رقم ٣٤٤ لسنة ١٩٥٢ المعدل بقانون رقم ١٧٣ لسنة ١٩٥٣ والمعروف بقانون الغدر) إلا أنه لم يقع فى محظور استهداف أشخاص بعينهم كما فعل القانون الذى أصدره مجلس الشعب المصرى قبل أيام من حله (أبريل ٢٠١٢)، والذى كانت صياغته «غير المجردة»، والتعبير لطارق البشرى سببا فى أن تحكم المحكمة الدستورية بعدم دستوريته.

٣ــ إن القانون أحال الإشراف على تطبيقه إلى هيئة قضائية تتمتع بكل ما يتمتع به القضاء من حصانات تجنبه زلل تجاذبات الساسة وأهواء السياسة. وأن توقيت صدوره، ولهذا أهميته بغض النظر عن نصوصه جاء قبل الانتقال بالبلاد إلى شرعية دستورية بإقرار دستور جديد. وهو المأزق الذى تواجهه الحالة المصرية الآن حين يجرى التفكير فى اعتماد متطلبات «العدالة الانتقالية»، مما يستوجب نقاشا عميقا لابتكار الحلول.

٤ــ إن المشكلة التى بدت فى الشارع الليبى بعد الإقرار المبدئى للقانون، والتى عكستها مبكرا نقاشات الليبيين فى المطار ربما لن تكون فى نصوصه فقط، وإنما فى محاولة تطبيقه بشكل يحول دون أن يتحول الضحية إلى جلاد وسط مشاعر بلغبها ما عرفته من ظلم درجة يُخشى معها أن تكون كفيلة بحجب إنصاف لا تستقيم بدونه عدالة، ولا تستقر بغيره أوطان.

٥ــ إن الحرية والديمقراطية الحقيقية، والتى أشهد أننى شهدت شوقا جارفا اليها، ووعيا مطمئنا بمتطلباتها بين كل من التقيت من الليبيين، سياسيين أو مواطنين عاديين فى شوارع طرابلس العتيقة الهادئة البسيطة، هى الضمان «الوحيد» لبناء وطن أتمنى أن يسمو فوق جروحه وآلامه، وأن يدرك ساساته أن «الوطن» خط أحمر. وأن الاستقطاب الذى يدعوهم اليه البعض تحت رايات الجنة، ما هو إلا الطريق المعبد للجحيم… واسألوا جيرانكم.

يبقى أنه ما من زائر لليبيا الجارة إلا ويلاحظ أن الليبيين كغيرهم، عيونهم على مصر، يراقبون تجربتها عن كثب. محاولين فى ادارتهم للمرحلة الانتقالية الحساسة أن يتجنبوا ما وصلت اليه الأمور فى القاهرة. مدركين، والسلاح الثقيل فى كل يد ولدى كل فصيل وكل قبيلة خطورة الانزلاق إلى تلك الدرجة «الصفرية» من الاستقطاب السياسى الذى وصلت اليه الأمور فى الجارة الشرقية الكبيرة. شعرت بذلك القلق عند جميع من قابلتهم، بمن فيهم قياديون فى «العدالة والبناء»، إخوان مسلمى ليبيا.

•••

وبعد..

فقد حاولنا أن نقرأ ليبيا لنتعلم. فالهم واحد، أو يكاد. ورياح السموم البادية فى الأفق إذا قُدِّر لها أن تعصف بنا، فلن تبقى هذا أو ذاك. ولكن تبقى ــ على رأس ذلك كله ــ حقيقة لا مراء فيها، وهى أن أهل مكة أدرى بشعابها. وفى ضوء من هذه القاعدة الشرعية والمنطقية ينبغى أن تُقرأ ملاحظاتنا.

ثم إننى كنت فى طرابلس للمشاركة فى جلسات مؤتمرين دوليين، أحدهما لحرية التعبير بمناسبة اليوم العالمى لحرية الصحافة. تحت شعار معبر اختارته الأمم المتحدة للمناسبة «تكلم فى أمان». والثانى للعدالة الانتقالية TransitionalJustice، وكان أن شاركتنى الحديث فيه السيدة Lemah Gbowee الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، وهى صاحبة تجربة شديدة الخصوصية، توضح إلى أى مدى يمكن أن تختلف «التفاصيل» تحت عنوان واحد، ومبادئ حاكمة واحدة، لا يمكن بدونها أن يستكمل التحول الديمقراطى حلقاته.

قد تختلف التفاصيل الليبية إذن، ولكن العنوان واحد. واستحقاقات التحول الديمقراطى واحدة. بدونها لا يمكننا أن نزعم أن نظاما قد سقط، أو أننا قد نجحنا فى بناء «مصر جديدة».

*نقلا عن صحيفة "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.