ثورة أم ثارات؟
خلت الذكرى الثانية لمقتل الزعيم الليبي معمر القذافي من مظاهر الاحتفال والفرح، بل إن كثيراً من الليبيين قد نسوها لكثرة ما تحفل به حياتهم اليومية من مصائب ومآس وما يستبد بهم من خشية على مستقبل بلادهم . وفي ظل ضمور شخصية الدولة بفعل استفحال سلطة الميليشيات، سادت ثقافة الثارات وتبخرت أحلام الثورة التي قتل وجرح فيها عشرات الآلاف وبات أغلب الشعب الليبي يطارد بعضه بعضاً وتتجه أقاليمه وقبائله إلى الانفصال والتنافر .
في يوم 20 أكتوبر 2011 عندما تمكن “الثوار” في ظروف ملتبسة من اعتقال القذافي وقتله والتمثيل بجثته في سرت، مسقط رأسه، ثم مصراتة، صورت تلك الحادثة على أنها قصاص عادل من نظام ديكتاتوري وفاتحة لعصر جديد سترفرف فيه رايات الحرية والديمقراطية، ويرفل فيه الشعب الليبي بالنعيم والرخاء والازدهار، بيد أن أي شيء من ذلك لم يتحقق، فالوضع بات أسوأ مما توقعه أكثر المتشائمين، وحيثما ولىّ الليبيون وجوههم لا يجدون ما يطمئن، فالاغتيالات بلا هوادة، ورموز الدولة ومقومات الوحدة الوطنية يجري استهدافها ومصادرتها بجرأة منقطعة النظير . وما يزيد في تعقيد الوضع أن هناك من يفخر بتنفيذ هذه الجرائم ويعتبرها استكمالاً للعمل الثوري، ومن ذلك حادثة اختطاف رئيس الوزراء علي زيدان، وها هو مدير ما يسمى “مكتب مكافحة الجريمة” يعلن على الملأ في طرابلس أنه هو من “اعتقل” زيدان بسبب قضيتي مخدرات وفساد، بينما أكدت الحكومة، بمستندات، أن نواباً إسلاميين في البرلمان مسؤولون عن فضيحة الخطف .
تلك الحادثة غيض من فيض مما يحدث يومياً في ليبيا، وقد يصاب أعتى المحللين بالدوار عجزاً عن فهم ما يجري، وفي الداخل يرسم الليبيون صوراً قاتمة لغياب خارطة سياسية واضحة ترسم مسار المستقبل وسط المئات من المجاميع المسلحة واستيطان الإرهاب في أكثر من منطقة من البلاد وخصوصاً في الشرق والجنوب الصحرواي، أما طرابلس العاصمة فليس فيها ما يوحي أن بها سلطات قادرة على اتخاذ القرار والتحرك، فكل ما فيها من مؤسسات خاضع لميليشيات لا تحصى، والمواطنون مطحونون بالخوف، ومن وجد منهم مخرجاً فر خارج البلاد وترك البلاء لأهله، يفعلون ذلك لأن منسوب الإحباط لديهم أصبح فوق الاحتمال، وبات إظهار الندم على “الثورة” أمراً لا يجلب العار مثلما كان الحال قبل عامين .
القول إن الثورة الليبية أصبحت كابوساً لأبنائها وخيبة غير متوقعة لا يحتاج إلى أدلة وبراهين، فها هي الأحداث تتوالى لتؤكد هذا الشعور وترسخه، فالثورة التي قامت أملاً في حياة أفضل وأرقى مما عاشه الليبيون طوال عقود حكم القذافي تحولت إلى ثارات لا تنتهي، والثروة الطائلة التي بنيت عليها الآمال باتت نهباً للميليشيات القبلية وتنظيمات الجريمة والإرهاب . واليوم عندما يتساءل الليبيون لماذا قاموا بالثورة؟ فليس من السهل عليهم أن يجدوا جواباً، لأن ما يحدث لا يمت بصلة للثورة ولو بمعناها المجازي.
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية