.
.
.
.

قرية إنمل بالمغرب.. معاناة مع الفقر وبرد الشتاء

نشر في: آخر تحديث:

في قرية إنمل وسط المغرب، يجد السكان صعوبة في الحصول على المواد الأساسية للحياة، بسبب العزلة عن العالم الخارجي خلال الشتاء، وسهولة تخريب الثلوج والأمطار للطريق غير المعبدة، التي تربط القرية بالطريق المعبدة، التي توصل السكان، إما إلى مدينة ميدلت أو إلى مدينة الراشيدية.

"العربية.نت" ضمن وفد إعلامي، زارت هذه القرية النائية لتنقل معاناة الناس هناك، وفي الطريق غير المعبدة، التي يقطعها السكان مشياً على الأقدام، خلال 3 ساعات على أقل تقدير، تحتاج سيارة رباعية الدفع إلى ساعة ونصف الساعة.

وعندما وصلنا إلى القرية، وجدنا النسوة هناك في انتظارنا، قبل أن نقوم بجولة في القرية، ومشينا معهن صوب تجمع من المنازل القروية، عن بعد، يبدو مشهد الدخان المرتفع، من مدخنات للتدفئة بالخشب، من أسطح المنازل التقليدية البناء.

وداخل حجرة مستطيلة، جلستُ مع نسوة القرية، وبدأن في سرد معاناتهن بكل التفاصيل، معلنات "استعدادهن للاستمرار في الاحتجاج السلمي، لتحسين حياتهن"، لأنهن "يقضين الشتاء الطويل، والبارد جدا، وحيدات مع أطفالهن"، بعد أن "يسافر الرجال للمدن البعيدة"، في شمال المغرب، بحثاً عن "موارد مالية، تُساعد أسرهن" على الصمود هنا في "أرض الأجداد"، في قرية اسمها إنمل، في ضواحي مدينة ميدلت، في الأطلس المتوسط، في وسط المملكة.

نساء "إنمل" والحياة الصعبة

ورغم الفقر، فإن النسوة قمن بواجب الضيافة، لتقوم صاحبة المنزل، بإعداد صينية شاي مغربية مع قطع من الخبز وزيت الزيتون، وحبات من اللوز في صحن صغير، وهذه علامات كرم الضيافة، وفق أعراف سكان "إنمل".

ووسط النساء، تجلس مليكة تْبَارِيتْ، 18 عاماً، أكملت 6 سنوات من التعليم الابتدائي، تشرح للعربية.نت، مشاكل سكان قرية إنمل، "لا نتوفر على الطريق، ولا على مستشفى ولا على مركز لمحاربة الأمية ولا على مركز اجتماعي تتجمع فيه النسوة، لتعلم مهن يدوية"، مضيفة أن "التلاميذ يجدون صعوبة في إكمال الدراسة بعيدا عن القرية لفقر الأسر"، قبل أن تصمت قليلاً عن الكلام لتواصل بحماسة "يمر العام علينا صعبا جداً، خاصة في فصل الشتاء عندما تسقط الثلوج" فـ"الطريق تغمرها الثلوج، لا نملك من أين نحضر ما نأكل".

وتعترف مليكة للعربية.نت، أنها حلمت بإكمال دراستها، إلا أن حلمها تبخر، أمام الواقع الذي تعيشه داخل القرية، وسط جبال الأطلس المتوسط، ليبقى أمامها مخرج واحد للمستقبل، هو الزواج، وفي الانتظار، فإنها تقضي أيامها في مشاغل المنزل العادية، بدءاً من الاستيقاظ الباكر جداً، خلال الشتاء، للبحث عن حطب التدفئة، وخلال هذه الرحلة يرافقها الحمار، لتحمل عليه ما جادت به عليها الطبيعة، من خشب، بعد أن تراجع الغطاء الغابوي، جراء الإفراط في الاستعمال، من السكان القرويين، طيلة العقود الماضية.

وخلال جلسة الشاي المغربي، كشفت نسوة قرية إنمل، للعربية.نت، أنهن قمن في سابقة من نوعها، بمسيرة على الأقدام، في اتجاه مقر محافظ مدينة ميدلت - في المغرب يسمى المحافظ بعامل الإقليم - لنقل معاناتهن إلى أرفع مسؤول في المنطقة، ويعترفن أنهن حظين باستقبال دافئ جداً، وحظين بترحيب من المُحافظ، قبل أن يسمع للشكاوى، ويوفر لهن وسائل للنقل للعودة إلى القرية، ويعدهن بتحقيق مطالبهن.

وعندما سألت العربية.نت من سعيد الهريبي، مسؤول التنمية الاجتماعية، في مدينة ميدلت، عن مساعدات السلطات المحلية لسكان قرية إنمل للتخفيف من معاناتهم، أجاب بأن "إقليم ميدلت يمتد جغرافيا على مساحة 14 ألف كيلومترا مربعا والسكان موزعون بين الجبال"، ما يجعل تدخل السلطات صعباً جداً، ويوضح المسؤول المغربي بقوله "تدخلنا يبحث عن التخفيف من معاناة السكان مع الإنقاص من حجم المشاكل".

والخطاب الرسمي المغربي في ملف الفقر سجل منذ العام 2005، بحسب المراقبين تحولا تاريخيا، فأصبحت الرباط تتحدث "عن الفقر بكل صراحة، وبدون خوف أو محاولات للإخفاء"، كما أن العاهل المغربي محمد السادس، يوجه الحكومة من أجل "الإنصات إلى معاناة السكان" مع "التدخل العاجل والفعال للتخفيف من مشاكل ومعاناة المواطنين في القرى المعزولة".

تضحيات معلم قروي

وداخل قسم واحد في القرية المنسية، التقت العربية.نت، بإبراهيم علال أستاذ المرحلة الابتدائية، بعد أن قضى هنا في إنمل من عمره ست سنوات في نقل المعرفة لأبناء القرية، وليساعد الفتيات والفتيان "على الخروج من واقع القرية الاجتماعي"، الذي يصفه الأستاذ بـ "الصعب جدا".

ويُعاني أطفال القرية بحسب الأستاذ من برودة الطقس، خلال فصل الشتاء الطويل والبارد، ما اضطر الأستاذ إلى شراء آلة تقليدية الصنع للتدفئة، من ماله الخاص، وحملها على متن دراجته النارية، على الطريق غير المعبدة، خلال ساعتين اثنتين، فيما يتشارك التلاميذ بـ "إحضار قطعة من الخشب لكل تلميذ"، للحصول ولو على قليل من الدفء، لأجسامهم الصغيرة، في عملية تشاركية يُشجع عليها الأستاذ إبراهيم، ابن مدينة خنيفرة، في الأطلس المتوسط.

وفي حديثه للعربية.نت، يوضح الأستاذ إبراهيم أنه "بدون تضحية الأستاذ، من ماله الخاص، ومن جسده ومن صحته"، فإن "قطار التعليم سيتوقف في المناطق المعزولة"، كقرية إنمل، داعياً كل زملائه من رجال التعليم، في القرى المعزولة، إلى "التضحية كثيراً" وإلى "مقاومة قساوة الطبيعة أولا، وانتشار الجهل ثانيا".

وانطلاقا من تجربة الأستاذ إبراهيم، فإن "التعليم يعاني من سلسلة مترابطة من المشاكل"، في القرى الجبلية المغربية، معترفاً للعربية.نت بأن "الظروف تحسنت قليلا، بالمقارنة مع الماضي القريب"، معترفاً أنه كان يصل إلى "قرية إنمل على ظهر الحمار"، أما اليوم فهو يستعمل دراجة نارية، تساعده على التنقل.

ويقوم الأستاذ إبراهيم، في قسم، يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، "بكل شيء"، فهو "النجار الذي يحافظ على الصبورة في مكانها"، وهو "الخياط الذي يرقع ملابسه، كلما ظهرت بها عيوب"، وهو "الطباخ الذي يسد جوعه نهارا وليلا، لأنه يعيش وحيدا بعيدا عن أسرته وأولاده"، وهو "الممرض الذي يقرأ تعليمات استعمال الدواء للسكان"، وهو "مبعث الأمل للتلاميذ"، مشدداً على أنه "إذا لم يقم بكل شيء، فلن تستمر الدراسة".

ففي يناير الماضي، لأول مرة في تاريخ قرية إنمل، أوصلت مبادرة محاربة الفقر، الماء الصالح للشرب، في انتظار إمكانية تزويد المنازل بالماء، وفي انتظار ذلك، يشرب القرويون من ماء الآبار، بينما الكهرباء ينتظرها السكان منذ سنوات، لتبقى الأساليب القديمة في الإضاءة، من مصابيح الغاز السائل، أو من توفر على بعض المال، لشراء وحدة صغيرة الحجم، للطاقة الشمسية، لتشغيل التلفزيون، لمشاهدة ما يجري في العالم الخارجي، عبر شاشات صغيرة ومتقادمة جدا.

وفي هذا العام لم تنزل الثلوج بكثافة، ما مكن قافلة من الصحافيين المغاربة من الوصول لقرية إنمل، لتسجيل مشاهد من يوميات حياة سكان قرية إنمل، أما في الأعوام الماضية فإن الثلوج والأمطار كانت تجعل الوصول إلى القرية مهمة شبه مستحيلة باعتراف السكان، ما يضطرهم إلى استعمال "سلاح" الصمود من أجل البقاء على قيد الحياة.

في نهاية الجولة، غادرنا قرية "إنمل" والسيارة رباعية الدفع تبتعد السيارة، ومع كل منعرج تتجمع الصور عن الفقر أمام أعين وفد من الصحافيين المغاربة، قدموا من الرباط، في رحلة نظمتها التنسيقية القومية لمحاربة الفقر، التابعة لوزارة الداخلية، من أجل فك العزلة الإعلامية عن مغاربة يعانون في وحدة وفي صمت منذ عقود في مواجهة عدوين اثنين هما البرد القارس والفقر.