.
.
.
.

قم للبقدونس وفّه التبجيلا

رفيقة محجوب

نشر في: آخر تحديث:

نعم هو البقدونس. فقد بات يتعين علينا مستقبلا كلما مررنا ببسطة مزارع في أحد أسواقنا العربية يعرض فيها محصوله من هذه النبتة الشعبية أو عربة بائع متجول يجرها بملل وتعب ويجوب بها حوارينا، ووقع نظرنا على البقدونس أن نقف ونحييه.

تحية استحقتها هذه النبتة، ليس بسبب فوائدها الصحية التي لا يعرف أهميتها إلا سكان البحر الأبيض المتوسط، كونها عنصرا غذائيا مهما وركنا من اركان الوجبات اليومية، بل لأنها تحولت إلى منقذ لحرية التعبير في تونس وراع رسمي لها.

حكاية البقدونس مع حرية التعبير انطلقت من فكرة مجنونة لصاحب محطة تلفزيونية كانت تعاني من ضائقة مالية خانقة أوصلتها إلى حافة الإفلاس وباتت مهددة بالإغلاق.

هي قناة الحوار لمؤسسها الطاهر بن حسين الذي قطعت عنه النهضة الإعلانات التجارية، فاضطر قبل أسبوعين لأن يوجه نداء استغاثة للشعب التونسي ليتبرع كل فرد منه بدينار واحد، أي أكثر بقليل من نصف دولار، للحفاظ على قناته التي تحولت إلى منبر مدافع عن الحريات بكل جرأة، وعنوان للصمود في وجه النموذج المجتمعي الذي تسعى حركة النهضة، الممسكة بمقاليد السلطة، إلى فرضه على الشعب التونسي من خلال التضييق على الإعلاميين والمثقفين والفنانين وصاحب كل رأي مخالف.

إلا أن العديد من المواقع التابعة للنهضة، أو المناصرة لها، نصحته ببيع البقدونس. فكرة التقطها بن حسين، خاصة أن للبقدونس حكاية سابقة مع السياسة والإعلام وحركة النهضة.

فوزير التعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال الحالية المنصف بن سالم، وفي إطار حملته الانتخابية قبل سنتين، كان يردد على مسامع التونسيين أنه كان يبيع البقدونس ليوفر مصاريف عائلته، وهو الحاصل على الدكتوراه، بسبب قمع نظام بن علي له ولحركة النهضة الإسلامية ككل.

الحكاية لم تتوقف هنا. ذلك أن نجل سيادة الوزير بائع البقدونس تمكن، قبل أشهر قليلة، من إطلاق قناة تلفزيونية، هي قناة الزيتونة الناطقة شبه الرسمية باسم حركة النهضة، والفضل في ذلك للأموال التي كان بطبيعة الحال يدرها بيع والده سيادة الوزير الحالي منذ أكثر من سنة بقليل من بيع البقدونس بحسب ما ذكر سيادة الوزير بنفسه أو على الاقل هكذا يفترض.

وربما لم يدر في خلد مؤسس قناة الحوار أن حملة بيع البقدونس التي نظمها الخميس الماضي ستلاقي النجاح الذي لاقته. فقد مكّنته من جني أكثر من مائة الف دينار تونسي، اي ما يقارب السبعين ألف دولار، نظرا للإقبال الشعبي الكبير الذي لاقته الحملة التي روجت لها المواقع الاجتماعية وتجند المجتمع المدني بكل مكوناته لإنجاحها.

وتزاحم التونسيون العاديون والوجوه السياسية والحزبية، إضافة إلى الوجوه الأدبية والفكرية والفنية أمام مقر قناة الحوار لاقتناء ربطات البقدونس التي بيعت إحداها بخمسة آلاف دينار، أي أكثر من الفين وخمسمائة يورو، في بلد لا يتجاوز فيه ثمن الربطة الواحدة في الايام العادية الدينار الواحد، هذا في حين اضطر البعض الى استخدام الشيكات للحصول على البقدونس في أبهى مظهر من مظاهر صمود المجتمع المدني في تونس في وجه حركة النهضة وسعيها الدؤوب لإسكات أي صوت مخالف.

وتحول البقدونس إلى رمز للصمود شأنه في ذلك شأن رقصة الهارلم شيك التي تجتاح البلاد من الشمال الى الجنوب، على يد الشباب الذي أوقد شرارة الثورة، وقاد معركتها ضد نظام بن علي في الشوارع والساحات وعبر مواقع الفيسبوك وتويتر، ودفع ثمنها قتلا وإصابات ما يزال البعض يعاني منها، ليطالب من خلال هذه الرقصات التي- وإن اختلفنا مع بعض مظاهرها- بحرية التعبير وإثبات الوجود في الساحة السياسية التي خلت منهم واحتلها من كانوا قبل الرابع عشر من يناير 2011 ينعمون برغد العيش في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

عادوا بفضل ثورة الشباب من المنفى. وخرج البعض منهم من السجون بفضل ثورة هؤلاء الشباب الذين يحاولون اليوم قمعهم ويستبيحون دمهم بسبب رقصة تحولت هي أيضا مثل البقدونس إلى رمز للصمود.

على كل ديمقراطي ومدافع عن الحريات والحداثة وداع لفصل السياسة عن الدين أن يمنح البقدونس مستقبلاً حقّ قدره.. أينما كان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.