تونس والصحافة

أمجد عرار
أمجد عرار
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

يقولون “الشيء بالشيء يذكر”، و”الكلام يجر بعضه” . هذا صحيح تماماً . في جدلية حول النظرية والممارسة، أي القول والفعل، يتهم أحدهم حزباً بأنه ضد العدالة الاجتماعية، والدليل هو ما يعلنه الحزب المعني في إذاعته، يرد آخر: إن من غير المنطقي أن يعلن أي حزب أنه ضد العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان . ما يجري هو النقيض تماماً وليس له علاقة بما يقال، فكل الأطراف تتفق على رفع الشعارات نفسها، لكن العبرة في الممارسة . وبهذا المعنى يضيف أن “الحكي ما عليه جمرك”، حيث يكون المسؤول عن انعدام العدالة الاجتماعية هو أكثر المتحدثين عن هذه العدالة .

الرئاسة التونسية تعتبر أن حرية الرأي والتعبير مبدأ مقدّس ولا مجال للتراجع عنه، بل وتؤكد موقفها المبدئي الرافض للتضييق على حرية الرأي والتعبير، وذلك في وقت يستعد الصحافيون التونسيون لتنفيذ إضراب عام هو الثاني في تاريخ البلاد . مرة أخرى، ومن حيث المبدأ ليست هناك قيادة تقول إنها ضد حرية الرأي والتعبير، لذلك لا تتردد القيادة التونسية في الحديث عن قانون منظّم لهذه الحرية، ويضمن حماية حق التونسيين في إعلام نزيه وحماية المهنة الإعلامية من التوظيف الحزبي ومن المال المشبوه، وحماية الصحافيين من كل ترهيب أو تهديد أو تعسّف .

ولكي ندرك معنى سهولة الكلام أعلاه وتحرّره من الجمرك، نقرأ للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين التي تشكو من أن أعضاء في الحكومة والمجلس الوطني التأسيسي يهاجمون الصحافيين بهدف ترهيبهم وإسكاتهم وقمعهم، ولهذا فإنهم يخوضون نضالاً احتجاجياً . هذا النضال الذي ألمحت الرئاسة إلى القبول به من حيث المبدأ اعتبره أحد الوزراء “تشويهاً للحقائق وتقليلاً من أهمية “إنجازات” الحكومة، أما “حزب النهضة” الإسلامي وحليفه اليساري “المؤتمر من أجل الجمهورية”، فهما يتهمان وسائل الإعلام بخدمة مناهضي الثورة، وربما تكون التهمة المقبلة هي التحريض على الإرهاب .

بموازاة مواقف الحكومة وتصعيد الصحافيين يخرج على التونسيين استطلاع رأي مضلل ويدس السم في العسل، إذ يقول أولاً: إن أغلبية التونسيين فقدت الثقة بالديمقراطية والقيادة معاً، ثم يزعم أن الأغلبية تؤيد زعيم النهضة راشد الغنوشي، وكأن القيادة في تونس كائنات فضائية وليست حزب النهضة نفسه . هل يريد مركز الأبحاث الذي يقف وراء الاستطلاع أن يقنعنا بأن الشعب التونسي جاهل أو يناقض نفسه، أم أن الاستطلاع هو المتناقض والهادف للالتفاف على نضال الصحافيين؟

كلام القيادة التونسية يتجاهل الحدث الذي أثار الصحافيين أساساً، وهو لا يتعدى دائرة التعبير، حيث إن المشكلة أخذت منحى تصعيدياً في أعقاب حبس الصحافي زياد الهاني بسبب انتقاده سجن مصور تلفزيوني لأنه صوّر حادثة رشق وزير الثقافة ببيضة الشهر الماضي . فإذا كان الصحافي الذي صوّر واقعة الرشق بالبيضة عقوبته السجن، والصحافي الذي انتقد سجنه عقوبته السجن، فما الذي حصل لراشق البيضة؟ الجواب برسم القيادات النهضوية “الجديدة” التي لم تف بشيء سوى التفكير بكل ما يبقيها في السلطة، لا سيما بعد سقوط نظرائهم في مصر .

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.