.
.
.
.

بورقيبة والإرهاب الحاقد

مفتاح شعيب

نشر في: آخر تحديث:

من الجبل إلى المدينة، ومن استهدف أعوان الأمن والجنود إلى منشآت حيوية ورموز للدولة، تتدحرج كرة الإرهاب في تونس سعيا لنشر ثقافة الرعب التي بشر بها متشددون، ولتغيير المجتمع التونسي عنوة من “الضلال” إلى “الصلاح”، مثلما كشفت المخطوطات الإرهابية التي سقطت بأيدي المحققين .

للمرة الألف يتأكد أن مجموعات القتل والتكفير التي تروع تونس ليست وحدها في الجريمة، بل لها شركاء في الداخل والخارج مثلما لها ممولون ومدربون ومهربون، والكل يعمل من أجل إدخال البلد في دوامة من الهلع لنسف مكتسباته الحضارية المتراكمة منذ عقود . فمنذ أن تم خلع النظام السابق بدأت نذر المشروع التدميري تظهر في صيغة أحزاب وجمعيات وشخصيات مشبوهة اضطلع بعضها بمناصب في الدولة بعد انتخابات ،2011 إضافة إلى الإعفاءات المثيرة التي صدرت باسم الدولة وأخرجت معتقلين في قضايا إرهابية، ليندفعوا مرة أخرى إلى الجبال للتدرب على الذبح والتفجير وامتصاص مساحة الأمن التي طبعت حياة التونسيين خلال جمهورية الاستقلال .

الحاقدون على تاريخ تونس الحديثة لا يكتفون بطمس تلك الحقبة، بل يسعون إلى اجتثاثها من الذاكرة بكل ما أوتوا من وسائل . وقد مرت عملية الطمس الممنهج من التشويه والتشنيع إلى تهميشها وصولا إلى محاولات كسرها ونسفها . ويأتي إحباط العملية الإرهابية لتفجير ضريح الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في المنستير حلقة تكمل حلقات أخرى . ولا يستهدف بورقيبة لأنه “ديكتاتور” ولا تجوز الرحمة عليه، كما أعلن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، بل لأنه بنى دولة مدنية وحرر المرأة ونشر التعليم وحارب الفقر والمرض . ومع الاعتراف بأن للرجل أخطاء كان يفترض ألا تقع، إلا أنها لا تقارن بما قدمه لوطنه وشعبه . وعلى الافتراض أن لديه هفوات فإن مؤاخذته عليها، وهو ميت، لا تصل حد النيل من ضريحه وتقويض مشروعه، وما يشاهد اليوم من ضرب لمقومات الدولة وغدر بمؤسساتها الأمنية والعسكرية ليس أمرا بريئا أو هو نتاج مواقف طائشة، وإنما هو حقد أعمى يتجلى أفكارا سوداء تريد أن تحيل البلاد التونسية إلى مستنقع مرعب .

مشكلة تونس اليوم ليست في خطر الإرهاب، الذي أصبح واقعا يواجهه التونسيون برباطة جأش وقدرة على التحدي، وإنما في بعض أحزاب هذا الزمن الأغبر والسياسيين المتنطعين الذين اندفعوا من كل فج بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي، وكل منهم في ذهنه مشروع ويُمنّي نفسه بسلطة وشعب يسوسه بما يمليه عليه شيطانه . وفي غمرة هذا التزاحم العبثي أوشكت الدولة، التي بناها الآباء والأجداد وسقط من أجلها الشهداء عبر الأجيال، على الضياع والتفكك .

لا اختلاف في أن ما يحدث مثير للصدمة والحيرة، إلا أنه يمنح التونسيين فرصة مثالية للمراجعة وإعادة قراءة واقعهم قراءة صحيحة لا تجحد مكاسب الماضي ولا تنكر مقتضيات المستقبل، وبذلك فقط يمكن لهذا الكابوس أن ينخلع بلا رجعة لتبقى تونس أرض تسامح ومشكاة مضيئة لا تحجب نورها غربان الإرهاب ولا أفكارها الحاقدة .

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.