حكومة الوحدة الوطنية.. السبسي يضع كل رصيده في الميزان

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

أثارت مبادرة الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، بتشكيل حكومة وحدة وطنية، في بداياتها ردود أفعال تراوحت بين "الصدمة" و"التشكيك"، وهو في الواقع موقف يمكن تفهمه، بالنظر إلى عنصر "المباغتة"، إذ إن الرئيس لم يعلن عما خطط له، إلا على شاشة التلفزة، في حوار خاص مع القناة الحكومية (الرسمية). فأين وصلت المبادرة الرئاسية بعد أسبوعين من الإعلان عنها؟ وماهي التحديات التي يمكن أن تواجه تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على مواجهة الأوضاع الصعبة والمعقدة التي تمر بها تونس؟

برغم طابع المفاجئة، فإن الرئيس التونسي كان يعد لمبادرته منذ فترة، خاصة بعد حصول ما يشبه الفتور في العلاقة، مع رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد. في هذا الإطار أجرى الرئيس السبسي، خلال الفترة الأخيرة مشاورات ولقاءات مع عدد من الشخصيات والنخب وقادة الأحزاب.

كما استند السبسي في قراره أيضا، الى التقارير المفصلة التي كانت تصله، حول الوضع العام في البلاد، كلها عوامل جعلته يدرك أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت تنذر بالانزلاق نحو المجهول.

خاصة أنها أوضاع قد رمت بظلالها في الواقع المعاش، من خلال شيوع حالة من القلق والإحباط، انتشرت لدي فئات وشرائح واسعة من المجتمع. هذا بالإضافة الى وجود أزمة سياسية بدأت تستفحل، فضلا عن صعوبة التعاطي مع النظام السياسي، الذي أقره الدستور الجديد، الذي برز بالكاشف أنه يساهم في توزيع السلطة، بما يعمق وضع سمته عدم الاستقرار، وهو ما لا يتناسب وطبيعة المرحلة الانتقالية، التي تفترض وجود مركزية في السلطة، وهو ما أجمع عليه كل المختصين في القانون الدستوري، وفي العلوم السياسية.

كل هذه الشواغل، كانت حاضرة لدى الرئيس، وهو ما أكده الرئيس لمراسل "العربية.نت" أثناء مقابلة معه، بمكتبه بقصر قرطاج، أسبوع قبل الإعلان عن مبادرة حكومة الوحدة الوطنية.

خلال ذلك اللقاء، أدركت أن الرئيس بصدد الإعداد لشيء ما، وأنه مستعد لوضع كل ثقله في الميزان، وهو الذي ألمح الى أن القرارات المناسبة والكبرى، تتخذ في وقتها وأن كل تأخير أو تردد، ربما سيساهم في مزيد "تعفين" الوضع، فالسياسة تفترض الشجاعة وحتى المغامرة أحيانا، وهو هنا يستأنس بالإصلاحات الكبرى التي أقدم عليها الزعيم الحبيب بورقيبة، في بيئة كانت تبدوا رافضة أو غير مهيأة.

تجدر الإشارة، إلى أن الأوضاع في تونس، أصبحت في الأشهر الأخيرة، محور اهتمام وصل حد الانشغال من قبل شركاء تونس، وكذلك من أصدقائها المهتمين بمسار الانتقال الديمقراطي فيها.

حيث دعا البعض منهم صراحة الى "ضرورة إنقاذ تونس". وفي هذا السياق، دعا رئيس مركز "كارنيغي" للسلام، ويليم بورنز (كاتب الدولة للخارجية الأميركية الأسبق) ونائبه وزير الخارجية الأردني السابق مروان المعشر، إلى إنقاذ تونس التي اعتبراها المثال المضيء، في ظل محيط عربي مليء بالاضطرابات والدماء.

كتب بورنز والمعشر مقالا نشر في صحيفة واشنطن بوست أكدا فيه "أنه بعد خمس سنوات على إشعالها ثورات "الصحوة العربية" (Arab Awakening)، انطفأت الآمال التونسية بإقامة تعاقد اجتماعي جديد بسبب التناقضات المحلية والإقليمية".

كما أشار الباحثان إلى "أنه مع مرور الوقت تتبخر الآمال المرتبطة بالثورة، ويزداد مع خط تمزق نسيج التوافق الذي ميز تونس، عن باقي دول المنطقة". وأرجعا ذلك الى "تأثر الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة وضعف البنى التحتية وتوجه الرأسمال إلى الاقتصاد غير المهيكل ما يحرم الدولة من عائدات هي في حاجة ماسة إليها".

ومن هنا برز للرئيس التونسي، أن تردي الأوضاع أصبح يهدد مسار الانتقال الديمقراطي، وهو تشخيص محل إجماع في الداخل والخارج، مفاده وجود مخاطر حقيقية، يتداخل فيها الاجتماعي بالاقتصادي.

فقد بدأت كل المؤشرات الاقتصادية، تشير الى أن البلاد في طريقها للانزلاق نحو الانهيار، خاصة مع تراجع التصدير وتوقف الانتاج والانتاجية وتهاوي الدينار. يحدث كل ذلك في تزامن مع تمدد أزمة سياسية، تعود جذورها الى تفكك الحزب الحاكم "نداء تونس"، الذي صدر أزمته للمشهد السياسي والحكومي. وهو ما نجم عنه عودة شبح انخرام التوازن السياسي، ليخيم على البلاد من جديد، من خلال هيمنة حزب "النهضة" الاسلامي، على الحياة السياسية وعلى مؤسسات الحكم (البرلمان).

وهو ما تأكد من خلال فعاليات المؤتمر العاشر للنهضة (21-23 مايو 2016)، الذي كان مؤتمرا استعراضيا، بعث برسائل سياسية من النهضويين، الى الفاعلين السياسيين والى المجتمع وأيضا الى الخارج.

رسائل تشير الى أنها الحزب الوحيد، المهيكل والمنظم، والقادر على الحكم، في ظل خارطة حزبية متشظية ومفككة. وهو ما أدركه الباجي قائد السبسي، الذي حضر الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العاشر، وان كان حضوره كان محل حفاوة مبالغ فيها من قبل "الشيخ الغنوشي" وقواعد حزبه، الا أن السياسي المخضرم استلم "الرسالة النهضوية"، التي أربكته وربما عجلت قراره بضرورة العمل، على اعادة التوازن مرة أخرى، وهو الذي سبق له أن قاد بنجاح "معركة" اعادة التوازن في صيف 2013، وفرض على الاسلاميين الخروج مكرهين من الحكم.

رافق الأسبوع الأول من مبادرة الرئيس السبسي، "جدل" كاد يفرغها من محتواها، من خلال التشكيك في "نوايا" ساكن قرطاج، ومحاولة الأحزاب "السطو" عليها، اذ تحرك حزب "نداء تونس" في هذا الاتجاه.

كما أربك رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، بموقفه، الذي ظهر في صورة الرافض برغم اتفاقه مع التشخيص الذي قدمه الرئيس السبسي، عبر اعلانه وفي حوار خاص مع "العربية.نت" أنه لا يفكر في الاستقالة وأن مصير حكومته بيد البرلمان (الاجراءات الدستورية).

هذا "الموقف التصعيدي" أربك جماعة القصر الرئاسي، قبل أن يهتدي قائد السبسي وهو السياسي البراغماتي، الى استعادة المبادرة، من خلال "تلطيف الأجواء" مع "القصبة" (رئاسة الحكومة)، عبر التأكيد على أن مبادرته، لا تستهدف رئيس الحكومة، وأنه لم يطلب منه الاستقالة، وذهب أكثر من ذلك عندما أشار الى أن الصيد يمكن أن يكون رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية.

كما سارع السبسي بدعوة الأطراف الرئيسية لقصر قرطاج (أحزاب الائتلاف الحاكم واتحاد الشغل واتحاد الأعراف)، ليصارحهم بأن المبادرة هي نتيجة ما سمعه من تشخيص، من قبل كل من التقاهم بما في ذلك الأحزاب والمنظمات الحاضرة في الاجتماع.

ليبرز بذلك أنه وخلافا لما هو رائج ليس في الأمر تفردا بالرأي، أو تجاوزا للدستور، أو رغبة في اعادة التموقع لهذا الطرف أو ذاك. وليست أيضا تحميل لمسؤولية الفشل لا للائتلاف الحاكم، ولا أيضا لرئيس الحكومة الذي نوه بخصاله، مشيرا الى أن السياسة ترتهن للنتائج، وأن ما آلت اليه البلاد وضع "صعب وليس كارثيا"، وأنه لا يمكن أن يستمر.

تطورات الأحداث والمواقف، خلال الأسبوعين الأخيرين، بينت أن المنهجية المتبعة من قبل الرئيس السبسي، في تقديم مبادرته وشرح الأسباب التي دفعته لذلك، حققت اختراقا مهما، تمثل في كسب التأييد والحشد لصفه.

وذلك من خلال اعلان غالبية الأحزاب، في الحكم وحتي في المعارضة الراديكالية والاحتجاجية، على تفاعلها الايجابي مع المبادرة، تمثل ذلك بالخصوص من خلال مباركة جميع الأحزاب للتشخيص الذي عرضه الرئيس، وعدم تحفظها على تغيير الحكومة بما في ذلك رئيسها اضافة الى عدم تشكيكها في "شرعية" الرئيس وخاصة الدستورية في تزعم هكذا مبادرة، وعدم الخوض في نقاشات حول أسباب الفشل وتحميل المسؤولية لهذه الجهة أو تلك.

وهو ما ساعد على بروز شعور كبير بالمسؤولية في التداعي لإنقاذ تونس أولا، وهي مقدمات مهمة يمكن في الواقع البناء عليها، من أجل الوصول الى نتائج تحظى بقبول واسع من قبل كافة الفاعلين السياسيين، وهو رهان المرحلة الثانية من عمر هذه المبادرة، التي ستبدأ هذا الأسبوع، من خلال مناقشة الأولويات التي عرضتها المبادرة، وتحديدا الآليات العملية لتحقيقها أو تنزيلها في الواقع، ثم ملاءمتها مع الهيكلة المقترحة للحكومة.

المرحلة الأخيرة، التي يتوقع أن يكون الاعلان عنها يوم 29 يونيو الجاري مثلما أكدت مصادر مطلعة في القصر الرئاسي لـ "العربية.نت"، ستكون عبر المرور الى تشكيل الحكومة، وهنا سيكون الرئيس أمام امتحان صعب، في اختيار رئيس الحكومة، أي الشخصية المناسبة لتنزيل ما سيتفق عليه الأحزاب والمنظمات، والذي سيكون محور وثيقة سيمضي عليها المشاركون في جلسات الحوار، ستصدر تحت عنوان "اعلان قرطاج".

كما سيكون الرئيس أيضا أمام اختبار حقيقي، يتمثل في الايفاء بوعده، بأن لا تكون الحكومة المقبلة نتيجة محاصصة حزبية، وهو ما يبدو صعبا في ظل تمسك الأحزاب وخاصة حركة "النهضة"، بأن يتم احترام حجم وتمثيلية الأحزاب في البرلمان.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة