.
.
.
.

المقشة ولعبة العاجز

رامي جلال عامر

نشر في: آخر تحديث:
منذ حوالى أربعة عقود، وفى مصنع بريطانى للأفلام، أبقيت بضعة أطنان من الأعشاب البحرية فى عدة شاحنات، فدار جدل بين نقابتين عماليتين حول من يفرغ الحمولة، فإذا كانت حية، وجب على عمال الحدائق إنزالها، وإذا كانت ميتة، وقع ذلك العبء على عمال المسرح.. وبعدما بقيت الأعشاب أياماً تحت الشمس وفسدت، أنزلها أخيراً عمال النظافة!!

وفى مصر تدور الآن الخناقة على من يكتب الدستور، هل سيكتبه عمال الدينية «كما يخطط البعض»، أم عمال المدنية «كما يتمنى البعض»، ولكنه سيكتبه فى النهاية عمال على بطال «كما اعتدنا جميعاً»! فحين وضع العالم الألمانى «جورج أوم» قانونه الفيزيائى الشهير المعروف باسمه، لم يكن يعرف أنه سيطبق فى مصر، ليس فى الكهرباء، ولكن فى السياسة! فـ«فرق الجهد» الذى يبنى المجتمعات يساوى حاصل «ضرب» شدة «التيار الدينى» فى «المقاومة المدنية»! وهذا الضرب هو ما يحدث الآن فى لجنة «تأسيسية الديكتاتور»، حيث يحاول التيار الدينى سحق المقاومة المدنية لينفرد بالجهد وحده.

والبعض متخوف من هذه «اللجنة» ويعتبرها «كميناً» وقع فيه البلد، وللأسف فـ«الرخصة» لم تُجدد بعد، وبالتالى قد تتم مصادرة العربة وحبس السائق!. وأرسل لى أحدهم رسالة إلكترونية فى ١٤٠ حرفاً- كما هو المسموح فى «تويتر»- وقال لى: «نحن نتفهم أن يجتمع مجموعة من عتاة الرأسماليين لوضع دستور، فتكون روح هذا الدستور أن (الدولة مالهاش دعوة بأى حاجة)، تبعاً لمبادئ الرأسمالية المصرية الفريدة.. أو أن يجتمع مجموعة من غلاة الاشتراكيين لوضع دستور يكون مفاده أن (الدولة هى الكل فى الكل)، تبعاً للفهم السائد.. ولكن لا أحد يتفهم أن تجتمع مجموعة بها بعض المهووسين دينياً وجنسياً لوضع دستور، فنجد أن الحديث منصب على تقليل سن الزواج، وسيادة الله، والمساواة بين الرجل والمرأة عن طريق الختان»!!.

والواقع أن هذه المقترحات الغريبة من بعض الكائنات الفضائية فى التأسيسية ليست ذات قيمة، فهذه هى «لعبة العاجز»، فأى شخص حر فى أن يقترح أى شىء، الأزمة الكبرى أن هذا الدستور سيمرر باستفتاء شعبى، مطلوب فيه فقط ٥٠% زائد واحد! وهى تقريباً نسبة الأمية، التى توافق على أى شىء بدقن حتى لو كان مقشة! وقتها ستكون هذه هى «المقشة» التى قصمت ظهر البعير!

كما أن فكرة الاستفتاء على الدستور كله بالجملة «شروة واحدة»- هى من أكثر النكات إضحاكاً على الإطلاق.. وحدث مرة أن أحد المحققين كان غير واثق من سبب وفاة إحدى الضحايا، فكتب فى تقريره: (إنه عمل من أعمال الله، تم فى ظروف مريبة جداً)! وهو نفس ما سيُكتب فى تقرير الأمم المتحدة وحلف الناتو عن مصر بعد عمر طويل.. والدستور- أى دستور- إذ كانت النسبة المطلوبة لتمريره فى الاستفتاء تقل عن الثلثين، فنحن لن نكون بصدد «بناء دولة» بل بصدد «البناء بالدولة»، والبناء هنا هو- لامؤاخذة- الزواج! فاتعظوا يا أولى الألباب.. فيجب ألا ننتقل من نواة الدولة الحديثة إلى الرفيق الأعلى!

*نقلاً عن "المصري اليوم".
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.