.
.
.
.

في المهنية صراع واحتلال مجهول الهوية

ايناس زيادة

نشر في: آخر تحديث:
لم أتخيل قط أن المهنية ستضعني في المواجهة الشخصية مع احتلال مجهول الهوية، ولم أتصور يوماً أنني سأعاني نفسياً بسبب مهنتي التي أحببت ما فيها من حرفية. فما أن اعتلى رئيس وزراء الاحتلال المنصة في الجمعية العمومية، شعرت فوراً بما هو آتٍ في حديثه المرتقب ولغته التي أعرف المليئة بالعنجهية، لم يعلم نتنياهو أن من سيحول كلماته للعربية ليست سوى فتاة فلسطينية.



مرت عليَ في مسيرتي المهنية أكاذيب وأكاذيب لكنها لم تسبب لي الأذية، كما فعلت أكاذيبه التي كان علي نقلها بأعلى درجات الحرفية.

أعلم أنه لم يفكر أحد يوماً بمن يترجم لهم هذه الكلمات المزرية، وربما ظن البعض أنها مجرد آلة إلكترونية، بل قد يظن آخرون أنها خدمة تقدمها الأجهزة العبرية. لكن في هذه المرة بالذات، أتت الترجمة على المترجمة وطرحتها أرضاً عندما نقلت للعربية كل المغالطات التاريخية.

لم يعلم أنه عندما تحدث عن ثلاثة آلاف سنة خلت تثبت ملكيتهم لأرضي الأبية، نزعني من نفسي، وليشرح لي من أين أنا وكيف صارت لي هذه الهوية. أرضي التي حرمني من حقي في أن أكون من مواليدها أو أن أزورها أو حتى من حمل الهوية. وهل أقول لأولادي أننا بلا جنسية، أم أقنعهم بأن جنسيتهم هي تلك المزدوجة بجوازي سفرهم ولا داعي لأي هوية.

تحدث فتحدثت، سكت فسكت، انفعل وانفعلت ولم يكن صعب علي الانفعال وأنا في قمة العصبية، عذبني نفسياً شعوري بالاعتداء القسري على شعبي، وكأنني على متن طائرة يهودية تقصف عائلتي الفلسطينية.

تحدث عن علماء وأطباء من شعبه تبرعوا لخدمة البشرية، وتجاهل أن الأمة الفلسطينية سخية بعلمائها وأطبائها وعمالها المنتشرين في أنحاء الكرة الأرضية.

قال أنهم شعب من أجل الحياة وليس شعب يرمي بأبنائه للموت، ولم يعلم أن من يذهب منا للموت يختار ذلك لأجل الحياة لغيره، وليضمن مستقبلاً للأجيال من بعده.

كذب كذب، لكنه لم يظفر بالمهنية، احتل أرضي، لكن لم يستطع أن يأتي على قدراتي الحرفية، ترجمت كلماته ونقلتها بكل ما جاء به من عنجهية، لكن عليه أن يعلم لن نصدق قوله لا باللغة العربية ولا حتى بالعبرية. وليعلم في النهاية أن من أنطقه العربية ليست سوى فتاة فلسطينية.

*نقلا عن صحيفة "الوسط اليوم" الأردنية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.