.
.
.
.

ألفريد نوبل الحب والديناميت وصحوة الضمير

نجم عبدالكريم

نشر في: آخر تحديث:
كثيرة هي الجوائز في العالم والتي تُمنح للمبدعين في الحقول الإنسانية.. ولكن تظل جائزة (نوبل) هي الأكثر شهرةً.. حيث يترقبها الناس في مختلف القارات سنوياً..

ترى كيف نشأت فكرة هذه الجائزة؟!!.. وما الظروف الموضوعية التي جعلتها في هذه المكانة؟!

أكان حظه العاثر في عدم التقائه بالمرأة التي تبادله مشاعر الحب سبباً وراء اختراعه المدمر؟!!.. أم كان هو السبب الذي من أجله جعل ثروته كلها من نصيب مَن ينشر العلم والحب والسلام بين الناس؟!!

مذكراته الخاصة تقول شيئاً كهذا وإن أنكر أهله ذلك بعد موته!!..

يقول ألفرد نوبل في مذكراته:

"لا أدري لماذا تحجم الفتيات عني؟!!.. ليس في مظهري ما يدعوهنّ إلى ذلك الإحجام.. فأنا حسن الهندام.. وقد ورثت وسامةً عن أمي.. لماذا إذاً تفرُّ مني الفتيات؟!!

كنت اليوم مع جارتنا "أنيتا" في حديقة الملاهي باستوكهولم.. وفجأةً تركتني دون اعتذار أو كلمة.. مع أنها كانت قد قالت لي إنها لا تمانع في الزواج مني إذا حصلت على وظيفة مناسبة".

وسأل ألفرد أخته يوماً:

ـ هل ترين أن أغادر استوكهولم يا سونيا؟

ـ تغادر استوكهولم؟!!.. ولماذا بالله يا ألفرد؟!!.. إن مكانك هنا مع والدك لتدير معه المصنع.

ـ إن والدي ليس بحاجة إلى معاونة أحد.. لقد تأكدت من هذا أمس حين ذهبت إليه أطلب أن يطلعني على أسرار اختباراته لمادة النتروجليسرين فقال لي:

ـ ليس هذا عملك اذهب واشغل نفسك بالقصص السخيفة التي تكتبها!

ـ أنت تعرف يا ألفرد أنه لا يعني ما يقول.. وكل ما في الأمر أن والدنا مضطرب عصبياً..
ـ أخشى أن يحدث بيني وبينه ما لا يصح أن يقع بين الابن وأبيه.. أعترف بأنه متوتر الأعصاب ولكني لم أعد أحتمل إهاناته حتى ولو كانت غير مقصودة.

ـ وماذا ستفعل إذا غادرت استوكهولم؟
ـ سأجد عملاً في إحدى مدارس باريس!

ـ ماذا؟ باريس؟ أتريد أن تغادرنا إلى باريس يا ألفريد.

ـ ولم لا؟ إني أجيد الفرنسية وفي استطاعتي أن أجد عملاً.. وإذا فشلت في التدريس فسأقوم بالترجمة من وإلى السويدية.

وهاجر نوبل إلى باريس، ولكنه يشير في مذكراته إلى السبب الحقيقي لهذه الهجرة.. وليس خلافه مع أبيه.. حيث كتب يقول:

"لم يعد في قدرتي أن أقابل "أنيتا" ذاهبة إلى الكنيسة وعائدة منها متعلقةً بذراع الفتى "هانز" الذي تزوجته.. سأترك لها استوكهولم كلها.. بل السويد أيضاً.. من يدري لعلي أجد في باريس من تحبني وتفضلني على غيري من الرجال!!.. المعروف كما هو شائع أن الفرنسيات عاطفيات جداً.. فإذا صدق ذلك سأجد في باريس من تقابل عاطفتي بمثلها".

وفي فرنسا حاول أن يجتذب الناس حوله يوم كتب روايةً وذهب بها إلى ناشرٍ سويدي فقال له بأدبٍ جم:

ـ يا نوبل.. لقد تغير الذوق الأدبي الآن.. لا أحد يقرأ هذه الأيام المآسي العنيفة.. الناس بحاجة إلى قراءة الأدب الخفيف!

ولم يوفّق نوبل في كتابة الرواية أو الشعر.. لكنه ظلّ في باريس يبحث عن وسيلةٍ يقترب بها من قلوب الفتيات.

وبعد أن مات والده غدا ألفرد الوارث الوحيد بعد موت أخته.. فعاد إلى استوكهولم وفي ذهنه شيءٌ واحد وهو.. تلك الغرفة السرية في الطابق الأرضي التي كان والده يجري فيها تجاربه على مادة النتروجليسرين.. وعكف ألفرد نوبل على دراسة تجارب والده حتى توصل إلى ما كان يحلم به أبوه.. (الديناميت)!

وبينما كان ألفرد متجهاً بتقريره الذي توصل إليه إلى وزارة الحرب الفرنسية لبيع حقوق الاستعمال (ملكية براءة الاختراع).. التقت به الحبيبة "أنيتا" التي تركته وتزوجت "هانز"..
ـ ألفرد.. إنني أعيش الآن في باريس كصحافية.. بعد أن مات "هانز" ومن المناسب أن نكون أصدقاء!!..
ـ أصدقاء فقط؟!!..
ـ فقط!!.. لأنني لا أملك مشاعر الحب تجاهك..
ـ إذن.. هل سأراك في مسكنك؟!!
ـ سيسعدني يا ألفرد أن أستقبللك في مكتبي بالصحيفة في أي وقت!!..
ـ هل تعلّق قلبك بشخصٍ آخر بعد موت "هانز"؟!!..
ـ أجل.. إنه زميلي في العمل!!..
ـ فرنسي؟!
ـ نعم..
ـ إنني سويدي مثلك يا "أنيتا"!!
ـ الحب لا يعرف الفروق يا ألفرد!!
ـ صدقتِ.. أنا فررت من استوكهولم أملاً في أن أجد فرنسية تحبني..
ـ أرجو أن تعثر على ضالتك!!
ـ دعينا من حديث القلب يا أنيتا.. لنذهب إلى مكتبك فإني أريدك أن تكوني أول من يطلع على أحد أسراري الخطيرة!!..
***
وفي مكتب "أنيتا" أخرج ألفرد من حقيبته قارورةً صغيرة..
ـ ما هذا السائل الذي لا يكاد يملأ القارورة يا ألفرد؟!!
ـ إنني اخترتك لكي تنفردي بنشر هذا الخبر الخطير..
ـ المهم أن يهزّ القارئ!!..
ـ سيهزّ الدنيا بأسرها!!..
ـ ما هذا السائل؟!!
ـ هذا السائل يا "أنيتا" سيزلزل العالم اسمه (النتروجليسرين).. إذا اقتربت منه بعود ثقاب أصبح هذا المكان كله حطاماً في لحظةٍ واحدة..
ـ ولكني أعرف أن علماء كثيرين يحاولون معالجة النتروجليسرين ليصبح مادةً ناسفة!!.. لا أرى أنك قد جئت بشيءٍ جديد!!..
ـ الجديد هو أنني عالجته بطريقة جديدة!!.. جعلته صالحاً للانفجار بمفجّرٍ من اختراعي.. لم يعد مجرد نتروجليسرين الآن.. لقد أعطيته اسماً جديداً.. (الديناميت).. احفظي الاسم جيداً.. (الديناميت)!!..
***
وباع ألفرد نوبل حقوق استخدام (الديناميت) للحكومة الفرنسية بربع مليون فرنك .. وصار واسع الثراء.. وغدا وهو في الثالثة والأربعين من أشهر شخصيات أوروبا.. وانغمس في العمل.. مما حال بينه وبين البحث عن الفتاة التي تتوق لها عاطفته.. إلى أن التقى الكونتيسة "بيرتا كينسكي".. سويدية بارعة الجمال.. أخذت على عاتقها الاهتمام بشؤونه التجارية والإعلامية..

كانت تخدمه بإخلاصٍ وتفانٍ.. ولم يفاتحها بحاجته للعاطفة المشبوبة.. لأنه كان يعلم أنها اتفقت مع ابن عمها على الزواج..
وقد كتب ليلة زواج "بيرتا كينسكي" في مذكراته:
" أشعر أن توتر الأعصاب الذي كان سبباً في وفاة أبي قد انتقل إليّ.. أصبحت لا أحسن التفكير.. وكثيراً ما راودتني فكرة الانتحار!!.. خاصةً بعد زواج "بيرتا" من ابن عمها!!.. وفوق هذا وذاك بدأت حوادث الديناميت المخيفة تثير ذعر العالم.. وقد هاجمتني الصحف عقب انفجار صناديق الديناميت في باناما.. مما أدى إلى مصرع 60 شخصاً.. وكذلك انفجار ثلاثين صندوقاً من الديناميت في ميناء سان فرانسيسكو.. وعندما وقعت كارثة حرب 14 مايو سنة 1864 استُخدم فيها الديناميت.. مما جعل ضميري يتعذّب بسبب تطور هذا الاختراع الذي أدى إلى الديناميت الفتّاك.."
***

واعترى ألفرد نوبل خوفٌ شديد فخرج على وجهه هائماً من بلدٍ إلى آخر.. وقد استولى عليه الذهول القاتل.. حتى أطلقت عليه الصحف لقب..( أغنى متشرد في العالم).. لكنه كان عن الصحف في شغلٍ شاغل.. لا يفتأ يردد:
ـ ماذا فعلت؟!.. ماذا فعلت؟!.. إنني أجرمت بحق البشرية!!.. رحمتك يا إلهي!!.. رحمتك يا إلهي!!..
***

وتهبُّ إلى نجدته الكونتيسة "بيرتا" السكرتيرة الحسناء..
ـ ألفرد.. إنك تقتل نفسك بهذه الطريقة.. لا ذنب لك في الذي حدث!!.. إنك لم تصنع الحروب!!..
ـ أنا صانع الدمار!!.. تاجر الموت!!.. اسمعي يا "بيرتا" سأكتب وصيتي محاولاً التكفير عن جرمي.. وسأجعلك المسؤولة عن تنفيذها!!..
.. كل أموالي التي تقدّر بملايين الدولارات.. سوف أهبها لكل من يكرّس حياته لخدمة العلم والسلام والحب في هذا العالم!!.. إني أترك لك يا "بيرتا" تحديد الشروط والظروف.. وليغفر لي الله ما اقترفته يداي!!..
***

وقامت "بيرتا" بتنفيذ الوصية حيث جعلت إيراد ثروته السنوي جائزةً تحمل اسمه (نوبل) لكل من وهب حياته من أجل العلم والسلام والحب فوق هذا الكوكب..
***

وقد شملت الجائزة كافة القارات.. حيث حصل عليها الشاعر طاغور وهو من آسيا عام 1913.. وأصبحت هذه الجائزة هي الحدث الأهم في تاريخنا المعاصر.. إلا أن البعض قد رفضها لأسبابٍ تخصّه كـ جورج برناردشو.. الذي قال مبرراً أسباب رفضه:
"يلقون إلي بقارب النجاة بعد أن وصلت إلى شواطئ الأمان..".
كذلك رفضها جان بول سارتر، ويوريس بسترناك وغيرهما..
وقد حصل على جائزة نوبل عددٌ من العرب.. منهم نجيب محفوظ، وأنور السادات، وياسر عرفات، وأحمد زويل، والبرادعي.. كلٌ في مجال اختصاصه..
***

ليت أن صحوة الضمير التي انتابت ألفرد نوبل بالأمس تنتاب أولئك الذين يعبّون المليارات من الدولارات.. من أثرياء ومسؤولين.. على حساب قوت الشعوب التي بدأت تصرخ في الطرقات هذه الأيام.. "نريد الخبز لأطفالنا!!..".. فلا يجدون ضميراً يوفر لهم ما يسدّ جوعهم!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.