.
.
.
.

طه حسين والقصيبي

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:
قرأت باستمتاع مقالة كتبها الزميل صلاح حسن رشيد في صحيفة «الحياة» عن زيارة طه حسين لمكة والمدينة بعنوان: «رحلة طه حسين إلى الحجاز»، يتحدث فيها عن الاستقبال الحافل الذي لقيه طه حسين ممثلاً بالملك سعود والأمراء والوزراء والوجهاء والأعيان والمثقفين والإعلاميين، كما استقبلته بعثة من الأزهر الشريف وكان من بينهم محمد متولي الشعراوي، إذ كان يعمل آنذاك أستاذاً في كلية الشريعة، ولم يقف من طه حسين موقفاً سلبياً، مجاراة لزملائه الأزهريين المعروفة خصومتهم آنذاك مع طه حسين، بل على العكس، رحّب به ترحيباً كبيراً، وحيَّاه، وألقى قصيدة طويلة احتفاءً به. وقد بدا طه حسين في حديثه للصحف متواضعاً ناكراً للذات، بل ومتوارياً بإيمانه عن مظاهر النفاق، فحين سأ‍له الصحافي: بماذا دعوتم الله في المسجد الحرام؟ أجاب: «أؤْثر أن يترك الجواب على هذا السؤال لِما بين الله وبيني من حساب، وإنه لعسير، أرجو أن يجعل الله من عسره يسراً». وحين سئل عن شعوره وهو يهبط في هذه البقعة المقدسة قال: «شعور غريب عاد لأهله». وذكر في سؤاله عن الشخصيات الإسلامية التي أحبها أنه يحب أولاً رسول الله محمد، ثم عمر بن الخطاب ثم علي.

هذا التاريخ الذي لم يعرفه أحد، أجاد أعداء طه حسين إخفاءه، بل وشحن الناس ضده، لا سيما في منطقتنا في فترة ما سمّي «بالصحوة»، حتى إنني أثناء فترة دراستي للماجستير، كنت أتردد على واحدة من المكتبات العامة، التي تخصص أيامها للرجال طوال الأسبوع، وتخص النساء بيومين، وجدت مرة على صدر صفحة كتاب لطه حسين سباباً وشتماً وتهماً بالكفر والإلحاد والوعيد بسوء العذاب.. إلخ، وهي كلمات لا تعبّر إلا عن نفس مشحونة بالبغضاء، تظن أن «شخبطة» على ورقة في كتاب عمل مأجور، بل ويقوم بواجبه بتحذير القراء من هذا الكاتب.

هذه المقالة ذكرتني بما راج عن المثقف السعودي الشاعر والروائي والوزير والسفير غازي القصيبي الذي عاش بيننا وكان محل تقدير من قادة البلاد ومن الناس، وأحاطت به الصداقات من كل حدب وصوب، وقد كان رجلاً خبيراً واسع الاطلاع، يحدّث كل من يقابله في تخصصه، ويملك عليه فؤاده إن بعلمه أو بخلقه، وليس إيمانه محل اختبار، فقد شهد الناس له بما يكفي أن يعرفوا أنه مسلم باجتهاده واختياره، لكن ما يشاع عنه اليوم يمثل قطيعة عن حقيقته، وأخاف أن يأتي يوم ويصبح ما يكتب عن إيمانه وصدقه مفاجأة للجمهور كما حدث مع طه حسين، على رغم «أن هذا أمر بين العبد وربه، وأنه حساب عسير». هذه الأسماء وغيرها من الأسماء المعروفة لم تقترف من ذنب سوى أنها قامت بدورها الثقافي، العلمي والاجتماعي الذي اقتضاه امتلاكها للمعرفة، واقتضاه دورها المطلوب، لكن الفترات المتوترة والمشحونة بالبغضاء في حياتنا ساهمت بطمس حقيقتها، وترويج فكرة عامة يسهل على الناس، بل يقبلون على تصديقها، من دون فحصها، ويحتاج تكذيبها لجهد متخصص لا يهتم به عادة، عامة الناس.


*نقلاً عن "الحياة" اللندنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.