تبرير ما لا يبرر

أنس فودة

نشر في: آخر تحديث:
عبثاً حاولت فهم القرار الذي أصدره رئيس مجلس الشورى الدكتور أحمد فهمي بإيقاف جمال عبد الرحيم رئيس تحرير جريدة الجمهورية عن عمله.. وعبثاً أيضا حاولت أن أجد وجاهة فيما قدمته رئاسة الجمهورية من مبررات لخطاب التكليف الممهور بتوقيع الرئيس مرسي إلى نظيره (أو قل صديقه الوفي) رئيس دولة إسرائيل.

استمعت إلى كثير من الأصدقاء القريبين إلى هذه الدائرة أو تلك مطولا، وحاولت أن أضع نفسي مكان الرجلين لألتمس عذرا لهما، فلم أجد ما أستطيع قبوله. المؤكد أنهما أخطآ وليس وراء الخطأ إلا الاعتراف به وتصحيحه.

أخطأت جريدة الجمهورية بنشرها خبرا لم تبذل جهدا في التأكد من صدقه أو الاستعلام عن مصدره –كعادة الصحافة المصرية مؤخرا- وأثار هذا غضب المؤسسة العسكرية، هذه وقائع مفروغ منها، ولكن أن يقرر الدكتور أحمد فهمي بجرة قلم أن يحيل رئيس تحريرها –دون تحقيق- إلى الاستيداع، فهذه إساءة استخدام بالغة لسلطة يتوقع الشعب أن تمارس بحكمة. والمؤكد أن قراره -الذي ربما لم يأخذ منه إلا دقائق من التفكير- يوصل رسائل لست على يقين أنه كان يعنيها:

أول هذه الرسائل هي أن "الشورى"، ومن ورائه الإخوان، قررا ذبح القطة للصحفيين متمثلة في رئيس تحرير الجمهورية، فمن الآن فصاعدا سيكون البتر دون نقاش هو عقاب كل من يسبب أدنى قدر من الإزعاج.. والمحصلة ستكون صحافة مرتعشة لا تتحرك إلا بإذن، وحملة مباخر يهللون باسم سيد لا يرحم.

وثانيها أن "الشورى" فوق القوانين واللوائح، فالتأديب على جرائم المهنة يبقى حقا منفردا لنقابة الصحفيين طبقا للقانون، وهي جهة لم يتم الرجوع إليها، كما أن ذات القانون المنظم للصحافة لا يشير بحال من الأحوال إلى أحقية مجلس الشورى في فصل رئيس تحرير صحيفة قومية بسبب خطأ مهني أو غير مهني.

والثالث: أن تجربة الحكم الجديد لا تعترف فيما يبدو بحق الإنسان في الدفاع عن نفسه وهو الحق الذي تكفله القوانين العالمية والمصرية كما تكفله الشريعة الإسلامية.

أما الرابع فهو أن لعبة الاستقطاب ما زالت دائرة، وفي إطارها قرر الإخوان الاصطفاف مع المؤسسة العسكرية، في مواجهة معارضة تبذل جهدها لإغراء كل من يملك القوة للانقضاض على الحكام الجدد.. ومن أجل هذا رأى مجلس الشورى أن يقدم لقادة الجيش رأس رئيس تحرير أساء إليهم قربانا لتحالف تدعو إليه ضرورات السياسة.

مجددا، أغلب الظن أن شيئا مما سبق لم يكن واضحا لدى رئيس مجلس الشورى وهو يقدم على قراره المعيب، وأغلب الظن كذلك أنه قرر –باستعجال- التعامل مع الموقف بطريقة "الباب اللي يجيلك منه الريح" لتفادي أزمة مع المؤسسة العسكرية أو داخلها، فأوقع نفسه في أزمة أكبر مع الصحافة والمجتمع ومنح ظهره لمعارضيه ليطعنوه هذه المرة طعنة مستحقة.

أما الدكتور مرسي، فأولى به أن يكون قد وعى درس رسالته إلى رئيس إسرائيل، ولن يشفع له أن يقول إنه عامله كرئيس مثل باقي الرؤساء وأرسل له نسخة مكررة من رسالة ترسل للجميع، فإسرائيل الجارة ليست كبقية دول العالم ولا ينبغي أن تكون.

والدرس الذي ينبغي أن يكون قد تعلمه يقول إن دوره داخل قصر الرئاسة هو أن يكون شجاعا وجريئا ليفعل كل ما يخوله له القانون لتغيير ما سبقه من فساد لا أن يستسلم له خوفا من أزمة دبلوماسية حذره منها مستشارو سوء. وإذا كانت كامب ديفيد قد ألزمته بقيود في علاقته بإسرائيل فليس من بين ذلك أن يلتزم بصياغات محددة في رسائله إليهم، وعليه أن يعي أن ما حدث أثار قلقا حقيقيا لدى الشارع ولدى مؤيديه لأن من يتنازل بشأن رسالة تافهة قد يتنازل فيما هو أكبر من ذلك.

عليه أيضا أن يتعلم عدّ أصابعه كلما تعلق الأمر بإسرائيل، فمن وقع لهم رسالة دبلوماسية سرية لم يحذف منها عبارات الصداقة.. لم يحفظوا له جميلا.. بل اختاروا تسريبها في توقيت رأوا أنه ملائم لإسقاطه بضربة قاضية..

لا يمر أسبوع دون أن يطالب صحفي أو معارض الرئيس بالاعتذار، ولكنني لم أر في أي من تلك المعارك السابقة إلا مناكفة سياسية من تلك التي تقلب الحق باطلا والباطل حقا وتلعب بالكلمات لتحقيق كسب سياسي.. هذه المرة الأمر يختلف وعلى الرئيس أن يعتذر عن خطأ جرح الكرامة الوطنية، وجرح مسلمات يؤمن بها التيار الذي يمثله، وإن لم يتحرك بجرأة لتصحيح ما أخطأ فيه فإن كلمات تلك الخطاب ستظل تلاحقه في قبره.

في خطبه الأولى أعاد مرسي مرارا مقولة أبي بكر "إن أحسنت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني"، وأولى بأبناء التيار الإسلامي –قبل غيرهم- أن يبادروا للعمل بهذه النصيحة الآن مع الرئيس ومع رئيس مجلس الشورى بدلا من تبرير ما لا يبرر.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.