.
.
.
.

وانهارت الهدنة الهشة

يوسف الكويليت

نشر في: آخر تحديث:
ليس ذنب عنان والإبراهيمي، والجامعة العربية، وغيرها أن تسجل فشلها في حل أزمة سوريا، لأن السلطة هي من خلقت العراقيل وتمسكت بالخيار العسكري ورفضت خيار الحوار بديلاً عن استخدام القوة، وهذا الأمر ثابت في سياستها وغير قابل للتغيير، ورد الفعل الشعبي جاء مضاداً، ومن أجل ذلك نشأت المعارضة، ومن رحمها ولد الجيش الحر، والنظام الدولي لا يريد تطويق المشكلة والمساهمة في حلها، أو احتوائها بحيث لا تسير باتجاه يغير أفق السياسة في المحيط السوري كله..



فقد حاول النظام استفزاز تركيا وإدخالها معمعة الحرب لتوسيع دائرتها، وهو يفهم أن تركيا لها حسابات دقيقة وحذرة أن تجر إلى وضع لا تريده، رغم قوتها العسكرية والمادية الهائلة، ثم إن أعضاء حلف الأطلسي يرفضون مثل هذه التطورات لأن أرباحهم مجهولة، والمجازفة ممنوعة..



الأمر مع لبنان أسهل حيث إنه بؤرة صالحة للتفجير لوجود حزب الله وعناصر لبنانية لا تخفي تحالفها مع النظام، غير أن الفرقاء يفهمون معنى السقوط في حرب بالنيابة عن سوريا، وهي مخاطر لا يريد أي مدرك أن تعود الحرب الأهلية لسبب لا يدخل في المصلحة الوطنية..



عملية الهدنة لا يمكن أن تنجح، لأن السلطة من مهامها الأساسية ديمومة التقاتل وإشغال الجيش بالحرب حتى لا يدخل في نزاع مع السلطة قد تؤدي إلى قيام انقلاب من داخل النظام يراه خياراً موضوعياً للخروج من الأنفاق المظلمة التي وضعها الأسد وأغرق الطائفة وأنصارها في موقف معقد مع أكثرية شعبية، ثم إن النظام ذاته يطرح أن الهدنة قد تعطي الجيش الحر موقفاً أفضل على الأرض بانضمام عسكريين ومدنيين إليه يعزز مواقعهم على الأرض، بينما روسيا قد ترى في الهدنة مخرجاً من واقع قد يتطور إلى وضعها في الموقف الأضعف، مبررة أن الهدنة ربما تقود إلى حل سياسي يجعلها سيدة المواقف، وتسجل فوزاً على دول حلف الأطلسي، وخلق موقع لها على الأرض العربية..



كل لديه حساباته، لكن لا يوجد في الأفق موقف وسط يؤدي إلى التراضي والتوافق، فكل المؤشرات تجعل النظام رافضاً لأي شريك يغير معالمه ومسيرته ومعنى ذلك فرهان الحسم بالقوة هو المسيطر على رؤية السلطة، لأن مطالب ما بعد الهدنة، لو استمرت، يعني تغييراً شاملاً في بناء الدولة ومؤسساتها، وهذا ما لا يتفق ورؤية الحكم، وحتى الابراهيمي الذي أدخل الهدنة كخيار وحيد قد يؤدي إلى هدنة طويلة، كان غير متفائل لأسباب يعرفها، ولذلك لا نقول إن المشروع انهار، بل لم يكن لوجوده أصلاً قيمة في كل العمليات المطروحة..



وإذا كانت القوى الكبرى تتحرك بسلبية عدا روسيا التي أخذت الموقف باتجاه التصعيد ورفض أي تغيير على الأرض، فالموقف العربي أكثر ضعفاً، بل ويراعي حسابات أمريكا وأوروبا أكثر من اتخاذ قرارات مستقلة، وغالباً ما تكون الرسائل محذرة من خلق واقع جديد قد لا يتفق مع الرؤية المطروحة، وربما يهدد أمن المنطقة، وهي رؤى قد لا تصل إلى التفسير الحقيقي لما سيئول إليه الوضع بعد رحيل الأسد..

منقول عن "الرياض" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.