.
.
.
.

الربيع المصري والشتاء الإسرائيلي

أحمد عبدالله

نشر في: آخر تحديث:
بين غزة وأسيوط وقع نحو 150 قتيلاً حتى الآن ثلثهم على يد قوات الاحتلال والباقي على يد قوات الإهمال المصري الضارب في عمق التاريخ الحديث...

غزة في شتاء عام 2008 شهدت قصفا متواصلا لنحو 3 أسابيع أدى إلى قتل أكثر من 1400 فلسطيني غالبيتهم مدنيين في مقابل 13 إسرائيليا وإصابة عشرات منهم... في شتاء إسرائيل الساخن جربت إسرائيل أنواعا جديدة من القنابل والأسلحة بالإضافة الى تكنولوجيا التجسس والمراقبة في مقابل عدة صواريخ بدائية الصنع من قبل حماس... العالم كله شهد القتل والدمار على شاشات التلفزيون ولا أزال أتذكر مدى الدمار والخراب والأطفال وهم يصرخون والنساء يبكين موتاهم... كان المشهد حزينا كئيبا لا مثيل له... "العار" كان من المفترض أن يكون الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تصف ردود الفعل العالمية والعربية، خصوصا موقف واشنطن وحلفائها بما فيهم مصر مبارك آنذاك... المشهد كان مخجلا حقا!!!

شتاء هذا العام مختلفا... فحماس استوردت صواريخ تصل إلى تل أبيب رغم أنها لا تسبب خسائر فادحة فإنها تثير ذعر اليهود أما تل أبيب فتريد هذه المرة تجربة القبة الفولاذية والدرع الواقي من الصواريخ،... واختبار الربيع العربي "الإسلامي!"

ردود الفعل تجاه غزة في شتاء 2012 لم تتغير كثيرا فأوباما الذي غيَر كل مواقفه بخصوص وقف الاستيطان الإسرائيلي وغيرها من القضايا قال إن من حق تل أبيب الدفاع عن نفسها...!.



بريطانيا كررت ما قاله أوباما وألقت باللوم على حماس لكنها حذرت إسرائيل من القيام بعملية عسكرية برية حتى لا تخسر التعاطف الدولي... (خوفا على الدولة العبرية!)، ألمانيا صمتت وفرنسا تدين العنف والمسرحية الهزلية تتواصل وإسرائيل لن تتوقف الا عندما تقرر هي كما فعلت في المرة الأولى!

أما دول الربيع العربي الذي بدأته تونس وتزعمته مصر الآن فقد قررت أن تحذر إسرائيل............!

فنشرت قاهرة "الإخوان" صواريخها ومدرعاتها وأسطولها الجوي والبحري وعبأت قوات النخبة وسلطت قمرها الاصطناعي التجسسي لجمع المعلومات وأرسلت تحذيرا لواشنطن ولندن وباريس قائلة إنها بلد السلم ولا تريد حربا لكن لا ينبغي على جيش دولة الاحتلال ألا يفرط في استخدام قوته ضد مدنيين وأن للمشكلة حلولا أخرى، ولو لم تتوقف تل أبيب عن القصف والقتل ستقطع العلاقات وربما تستخدم القوة!!! وشرحت القاهرة بدعم تونسي أن سبب الأزمة ليست صواريخ حماس فحسب بل الحصار الخانق على سكانها الذي حاولت سفن "أردوغان باشا!" خرقه لكنها لم تنجح... والمسلسل الهزلي يستمر!!!

مصر وتونس تقولان لإسرائيل: نحن نختلف في الأداء! المقاومة تقول لإسرائيل: "انظروا لقد حصلت على صواريخ إيرانية بعيدة المدى" وتل أبيب تقول: "سأدمرها وأدمركم فأنا أعد العدة لضرب "كبيركم... إيران!" والعالم أي عالم لن يقف أحد في طريقي... اللوبي اليهودي بلا شك يحكم العالم حقيقة لا خيال...!!!

في أسيوط مجزرة أخرى سببها ليست صواريخ ولا دبابات إسرائيل لكن الإهمال، وسرعان ما هرول الدكتور قنديل أيضا الى المشهد الأسيوطي... كان الله في عونه!... دول الربيع اعتقدت بأن التغيير يبدأ من التعاطف والزيارات الميدانية وليس من مشروع "بناء الدولة" أو "إعادة بناء الدولة"... ولنقل إننا نتحدث عن إعادة البناء لأن الوقت أصبح متأخرا الآن لبناء الدولة فلو انشغل العرب بعد الثورة المصرية الميمونة في 1952 بمشروع البناء لربما الآن كان لدينا كل أسلحة الردع والقوة وأيضا الثقافة والإبداع لكننا انشغلنا بفن الخطابة وظننا بالكلمات يمكننا أن نلقي أعداءنا في البحر!

رغم نجاح حرب 73 في استعادة جزء لا بأس به من كبرياء العرب بسبب دهاء السادات!

مشروع إعادة بناء "الوطن" يجب أن يشمل إعادة بناء "المواطن"، هذا المواطن "المتواجد في كل أركان مصر ومؤسساتها!" تسبب في مقتل أكثر من خمسين طفلا في بلدة صغيرة بمحافظة أسيوط وتسبب في الماضي في مقتل الآلاف: من العبّارة الى القطارات الى الاتوبيسات الى الطعام الفاسد والمستشفيات القذرة وعدوى الأمراض في كل مكان بسبب خليط من اليأس والجوع والجهل والطمع وغياب القدوة والفهلوة ووسائل إعلام مخربة مضللة جاهلة لا ترقى بجموع البشر بل تدعم الجهل والتطرف من أجل الإثارة والمال والأهم إدارة سيئة جدا... أما المفكرون المحترمون الذين يحبون مصر فعلا ويريدون لها الرخاء فهم يصنفون عملاء وعلمانيين بينما الجهلة السطحيين هم أبطال الوطن... في مصر لا يحب الناس سماع الحقيقة!

مع الربيع العربي يتواصل التخبط والفساد والصراع على السلطة، استبدلنا الصمت بزيارات ميدانية وتصريحات عنترية وتركنا بيوتنا تنهار... لا يمكن أن تكون محترما قويا يخشاك الأعداء والأصدقاء وأنت بيتك من زجاج!.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.