.
.
.
.

الموقف الروسي والخطوات القادمة في سورية

عبد العزيز العويشق

نشر في: آخر تحديث:
أكدت روسيا في اجتماعها مع دول الخليج عزمها على الاستمرار في موقفها الداعم للنظام السوري. ولذلك، فإنه لا داعي لإطالة أمد الجدل حول الموضوع، بل يجب على المجتمع الدولي تجاوز معارضة روسيا، وتحمل مسؤولياته لحماية الشعب السوري


في مساء الأربعاء الماضي (14 نوفمبر) عُقد في مقر الأمانة العامة لمجلس التعاون، اجتماع بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون، ووزير خارجية روسيا لمناقشة الأزمة في سورية، وهو الاجتماع الثاني بين الجانبين لمناقشة الأزمة خلال أقل من شهرين، حيث عُقد الاجتماع السابق في نيويورك في 27 سبتمبر.

وباعتبار اجتماع الأربعاء قد عُقد بناء على طلب روسيا، فقد أمل البعض أن لديها شيئا جديدا ترغب في طرحه، ولهذا فقد كان من المفاجئ أنها ردّدت مواقفها السابقة، دون تغيير يُذكر.

وكانت روسيا ومجلس التعاون قد اتفقا على الدخول في حوار إستراتيجي في نوفمبر 2011، أملا في تأسيس تعاون إستراتيجي بينهما في جميع المجالات: في السياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها. ولكن الموقف الروسي تجاه الأزمة السورية، الذي جاء مناقضا لإجماع السوريين (عدا نظام الأسد) وللإجماع العربي والإسلامي والدولي، جعل من الصعب ترجمة ذلك الاتفاق على أرض الواقع. وبدلاً من ذلك، تركزت اتصالات الجانبين على مناقشة الأزمة في سورية.

وكانت روسيا تقول: إنها تتفهم مطالب الشعب السوري، وتتعاطف مع الظروف الإنسانية التي أصبح يعيشها، ولكنها تعارض تغيير النظام. وفي اجتماع الرياض، قالت: إنها لا تعترض على تغيير النظام في حد ذاته، ولكنها لا تريد أن تكون طرفا في ذلك. وهو تطور طفيف في الموقف الروسي في الاتجاه الصحيح.

ولكن روسيا، بتعطيلها دور مجلس الأمن، في الحقيقة تطيل أمد النظام السوري، وتحميه من الضغط الدولي، وباستمرار تسليحه تمكنه من استمرار حربه ضد المدنيين. وبدون الدعم الروسي، ربما كان النظام أكثر ميلا للتفاوض مع المعارضة.

لماذا تقف روسيا هذا الموقف المتشدد؟

في اجتماع الأربعاء في الرياض، قال سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، إن موقف روسيا ليس مدفوعا باهتمامات اقتصادية أو عسكرية أو إستراتيجية. وأضاف أن الاتحاد السوفييتي كانت له مصالح إستراتيجية في سورية في الماضي، بخلاف روسيا اليوم.

وبذلك جعل لافروف فهم موقف روسيا أكثر صعوبة. ويقول الروس: إن دعمهم للنظام السوري نابع من احترامهم للقانون الدولي الذي يمنع التدخل، ويحترم سيادة الدول داخل حدودها. ولكنهم لا يستطيعون أن يفسّروا كيف سعت روسيا إلى تعطيل آليات القانون الدولي لمعالجة الوضع في سورية، باستخدامهم حق النقض في مجلس الأمن، أو تلويحهم باستخدامه، كل مرة حاول المجلس وقف العُنف، وتصويتهم ضد كل قرار أصدرته منظمات الأمم المتحدة المختلفة، بأغلبية ساحقة من الدول الأعضاء فيها.

فالقانون الدولي في مفهومه الحقيقي تجسيد لإرادة المجتمع الدولي، الذي أكد بوضوح في تلك القرارات إدانته لما يرتكبه النظام السوري من مذابح وانتهاكات واضحة للقانون الدولي. فخلال هذا العام تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارين (في فبراير وأغسطس 2012)، أدانا انتهاكات سورية لحقوق الإنسان، واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين. وحظي كل من القرارين بأغلبية كبيرة من الدول تجاوزت (130) دولة في كلتا الحالتين، ولم يعارضه سوى (12) دولة، مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.

وقد قامت منظمات الأمم المتحدة، ومنظمات عالمية أخرى لحقوق الإنسان، بتوثيق تلك الانتهاكات، بما في ذلك قتل المدنيين بالجملة، والإعدامات الجماعية والاغتصاب والتعذيب، حيث قُتل من بداية الأزمة في مارس 2011 إلى 15 نوفمبر 2012، نحو (41,500) من المدنيين، وشُرّد نحو مليونين ونصف، داخل سورية وخارجها، وهدمت قرى وأحياء بأكملها، بعد مهاجمتها بالطائرات والدبابات والأسلحة الثقيلة، الروسية الصنع.

وبناء على ذلك، فقد أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سبعة قرارات حتى الآن، تدين الحكومة السورية بانتهاك القانون الدولي، وتطلب منها التوقف عن اعتداءاتها على المدنيين. ولكن روسيا صوتت ضد كل واحد من هذه القرارات السبعة.

فمن الواضح إذًا أن روسيا خارج الإجماع الدولي، المبني على القانون الدولي، الرافض لانتهاكات حقوق الإنسان وللجرائم ضد الإنسانية. والأسوأ من ذلك أن انتهاكات سورية للقانون الدولي وحقوق الإنسان تتم بأسلحة قدمتها روسيا للحكومة السورية، ولم تبذل حتى الآن أي جهد ملموس لمنع الحكومة من استخدامها ضد المدنيين.

وقد أكدت روسيا يوم الأربعاء أنها ستستمر في موقفها المتفرد تجاه النظام السوري، وفي منع التحرك الدولي من خلال الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث تملك حق النقض.

وبذلك يكون اجتماع الأربعاء قد بَيَّن الموقف الروسي بوضوح، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، حيث لم يعد ثمة حاجة لإطالة الجدل حول الخطوات القادمة التي يجب القيام بها. فعلى المجتمع الدولي أن يكون مستعدا لتجاوز معارضة روسيا، واتخاذ خطوات سريعة وحاسمة.

وهذه الخطوات التي تصبح كل يوم أكثر إلحاحا، يمكن أن تُتخذ خارج إطار مجلس الأمن، الذي شلته روسيا، وهناك سوابق عدة في هذا الشأن. ولكن ذلك لا يجعلها خارج نطاق القانون الدولي، الذي يُتيح التدخل لحماية المدنيين، ويجعله واجبا في بعض الحالات، حينما تكون ثمة أدلة وقرائن واضحة على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أو انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب.

ويجب أن تشمل تلك الخطوات، جميع الإجراءات الضرورية لحماية السوريين من بطش النظام، بما في ذلك الممرات والمناطق الآمنة، وإنشاء مناطق يُحظر فيها الطيران واستخدام الأسلحة الثقيلة. والخطوة الأولى يجب أن تكون الاعتراف بـ "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سورية"، باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، بكل ما يعنيه ذلك الاعتراف من دلالات.

*نقلا عن "الوطن" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.