.
.
.
.

معركة غزّة ومهمة الوحدة

سليمان تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:
فقد العالم منذ زمن بعيد المرجعية الإنسانية التي نتجت عن الحربين العالميتين، في عصبة الأمم وجمعية الأمم، وتمثلت في حق تقرير المصير للشعوب وحماية حقوق الإنسان . كان الغرب قد انشق إلى معسكرين وكان بينه وبين الشرق جسور حوار ليست كلها قائمة على مصالح الدول، بل على ثقافة كونية جديدة لتلافي الحروب ونشر الاستقرار . في تلك الأجواء عاشت قضية فلسطين وأخذت الدعم من الدول التقدمية والمحبة للسلام والداعمة لحركات الاستقلال والتحرر الوطني .

في نهاية الألفية الثانية تغيّر العالم . سادت أحادية القطب على المستوى الدولي وأحكمت قبضتها على الأمم المتحدة، وفرضت منطق القوة على ما عداه، وسيطرت لغة المصالح، وتحول الشرق الأوسط مجدداً إلى منطقة صراع واستهداف بوصفها عقدة التواصل العالمي ومصدر الثروات الأهم للصناعة الدولية وللرفاه الغربي .

لم ينجح العرب في أن يجدوا حلاً لقضية فلسطين، ولا حتى أن يجعلوا منها مادة تفاوض على المصالح . خسروا إلى جانب فلسطين جزءاً مهماً من سيادتهم في العراق وتعرضوا لضغوط قوى إقليمية صاعدة، فجعلوا منها أولوية تتعلق بأمن دولهم على حساب المواجهة مع الدولة العبرية .

حدث انحسار قوي لنفوذ القضية الفلسطينية منذ هزيمتها في لبنان وابتعاد المنظمة عن الحدود . ذهب الشعب في رحلة البحث عن استقلاله بقراره، فأنجز اتفاقاً في أوسلو لا يوفر ضمانات لتطوير موقعه ولحماية مصالحه، بل تحوّل إلى موضع انقسام سياسي وطني هدر جزءاً مهماً من جهوده بين خيار التفاوض الذي تمسكت به “السلطة”، وخيار المواجهة العسكرية الذي اتخذته “حماس” في غزّة . عادت القضية الفلسطينية إلى دائرة بعض التجاذبات الإقليمية، وتكونت في غزّة سلطة واقعية على مشروع أيديولوجي لا يشكل جاذباً للشعب الفلسطيني، واتخذت لنفسها سياسات خارجية وتحالفات لا تعزز الوحدة الوطنية .

بعد سنوات من هذا الانقسام فقدت القضية الفلسطينية مشروعها السياسي الواحد وقيادتها الواحدة . فلسطين اليوم مجموعة كتل شعبية تتنازعها اتجاهات مختلفة وتعاني تبعات تراجع الاحتضان العربي والدولي .

استطاعت غزة أن تشكل موقعاً عسكرياً مهماً وأن تدافع عن نفسها نهاية 2008 بأغلى التضحيات، وأن تطور قدراتها الميدانية وأسلحتها . لكنها في كل مرَّة تواجه آلة الحرب الصهيونية تدفع أثماناً باهظة فيما لا تستطيع فرض القضية مجدداً على جدول أعمال المجتمع الدولي .

انضمت غزّة في فترة إلى ما كان يسمى “محور الممانعة”، وكان الرهان قوياً على جبهة واسعة تشمل سوريا ولبنان . فقدت هذه الجبهة واسطة العقد مع الأزمة السورية ولجأت “حماس” إلى الحضن العربي مجدداً في حركة تواصل مع المتغيّرات في الثورات العربية وصعود الإسلام السياسي إلى السلطة، ولاسيّما في مصر . لكن هذا التموضع الجديد لم يفرز بعد حالة ارتباط استراتيجي يجعل مصر سنداً أساسياً للمقاومة، فمصر الآن تتحرك تحت سقوف معروفة في العلاقات الإقليمية والدولية .

بادرت “الدولة العبرية” إلى شن الحرب على غزّة من أجل القضاء على القدرات العسكرية الجديدة، فلم تنجح “الدولة العبرية” في حماية نفسها كلياً من رشقات الصواريخ البعيدة المدى، لكنها تستنزف القطاع وتفرض منطقها السياسي الذي يدعمه الغرب في ما تسميه الدفاع عن النفس وحماية أمنها .

لايزال الخلل الرئيس الذي يصيب القضية الفلسطينية هو تعدد الخيارات وتنازع القيادة وغياب المشروع والبرنامج والوحدة . لن تكون القدرات العسكرية وحدها حاسمة في مسار القضية الفلسطينية ما لم تحظ بدعم واسع من المجتمع الدولي للجم العدوانية الصهيونية ووقف سياسة الاستيطان والضم . من المؤكد أن اللحظة تستوجب التضامن مع غزّة، ولكنها أيضاً تطرح مسألة الوحدة الفلسطينية بوصفها شرطاً لابُد منه لاستثمار أي إنجاز ميداني في إطار الموازين السياسية المختلة اليوم لمصلحة العدو

*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.