.
.
.
.

الأرض مدوّرة لكن الزوجة دار مستأجرة

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:
رفض أستاذ الفقه في الجامعة الإسلامية الجلوس مع الدكتورة سهيلة زين العابدين في الأستوديو نفسه، وطلب أن يجلس في أستوديو آخر كي يتحدث في برنامج «يا هلا» عبر «روتانا خليجية»، كما طلب إعلان هذا الأمر للتوضيح. استنكر أستاذ الفقه أقوال الباحثة الإسلامية الدكتورة سهيلة زين العابدين، واتهم منهجها في التفكير بأنه شبيه بمنهج المعتزلة والرافضة، وعاب عليها أنها تستخدم العقل في فحصها أقوال القدماء من الفقهاء الذين سبقونا بقرون. كما قال إنها تسفّه أئ‍مة الإسلام، ولا يعجبها إلا ما يزيّنه لها عقلها، أما سبب كل هذا، فلأن الزميلة سهيلة أوردت مثالاً للأحكام الفقهية غير المقبولة، يقول إن «الزوج لا يلزمه علاج زوجته إذا مرضت لأنها كالدار المستأجَرَة، فلا يلزم المستأجر أن يصلح ما يقع منها حتى وهو يستخدمها». وأزيد من بعض ما قرأت في هذا الجانب أنه يلزمه فقط شراء زينتها «أدوات الماكياج»، أما لماذا فلأنها تتزيّن له، بينما علاجها وكفنها لا يلزمانه.



الشيخ يستغرب كيف لا تقبل الدكتورة سهيلة الباحثة، عضو هيئة حقوق الإنسان، هذا الكلام، ولولا محاولاته الناجحة لضبط نفسه لقال ما هو فوق الاستغراب، ولكن بدا واضحاً أنه يحاصرها بطلب أن تصرّح وتقول للناس «إنها تحتج على البخاري أيضاً»، لأنها تحفظت على حديث قالت عنه إنه آحاد وإن أحاديث الآحاد ضعيفة، وأن من روى هذا الحديث لا تنطبق عليه شروط الشهادة، فما بالك برواة الأحاديث.



الأستاذ في الجامعة الإسلامية اعتبر أن من يعارض هذه الأقوال يعارض الدين بالضرورة، ولو كانت الباحثة تحتج بأدلة من القرآن والسنّة وعدم مطابقة الحكم مع ما جاء فيها. لكن الشيخ يرى أن نلتزم كل ما ورد في كتب الفقهاء من قبلنا، وأنه لا يحق لك النقل عن آخرين غيرهم، ولا أن تُعمِل عقلك في تطابق هذه الأحاديث مع جوهر الدين الرفيع فقد رفعت الأقلام بعدهم.



لن أدخل في نقل يصف الزوجة بأنها أسيرة عند زوجها أو أنها بمنزلة العبد عند سيده، لأن من يتحفظ على هذا القول ينال ما نالته زميلتنا سهيلة، لكنني متأكدة أنني لو سألت الأستاذ إن كان يعالج زوجته إذا مرضت، سيقول إنه يعالجها بل وفي أحسن المستشفيات. ولو قلت له: لو جاءتك ابنتك مريضة وقد رفض زوجها علاجها بحجة أنها «دار مستأجرة»، فهل يجد في فعله شيئاً من المروءة؟ ولو جاءه خاطب لابنته واشترط عليه ألا يعالجها إذا مرِضت، فهل يزوجه؟ وإن كانت الإجابة بلا فكيف نقبل أن نصوّر ديننا على نقيض المروءة وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم «إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق»؟ إلا إذا كان لا بأس أن نقول شيئاً ونفعل شيئاً آخر، طالما لا نستطيع أن نغيّر الأقوال، وهذا ما حاجَّ به الأستاذ الدكتورة سهيلة حين قال لها: «ها أنتِ تستطيعين أن تظهري في الإعلام وتخرجي من المنزل، ولم يمنعك القيّم عليك»، لكنه لم يقل إن القيِّم يستطيع فعل ذلك لأنه حق له إن شاء استخدمه وإن شاء تركه، فهي أسيرته.



طالبات الجامعات وأستاذاتها، ووكيلات الوزارة وموظفاتها، والمثقفات والناشطات الحقوقيات والباحثات في الشؤون الإسلامية، عليهن أن يقبلن هذا الكلام وإلا وقعن في المحظور، وهو أن يستخدم الإنسان العقل ويرفض بعض ما ينقل حين لا يتوافق مع مصلحته وروح عصره، مع أن المشركين هم الذين حاجّوا الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم «هذا ما كان عليه آباؤنا»، بينما حاجّهم القرآن بأن يتفكروا ويتدبروا ويعقلوا، فكيف يصبح الدين عدو العقل؟



بعض الفقهاء القدامى قالوا بعدم كروية الأرض ودورانها، لأن معطيات عصرهم لم تعِنْهم على استشراف هذه الحقيقة، وقد ثبتت «كروية الأرض ودورانها»، ولكن بقي أن نثبت أن الزوجة ليست داراً مستأجرة ولا مملوكة ولا داراً للمسيار ولا للمطيار، بل علاقة سكن ورحمة.

*نقلاً عن "الحياة" اللندنية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.