.
.
.
.

هل تتوب يوماً حليمة؟

نجم عبدالكريم

نشر في: آخر تحديث:
رغم شيوع مصطلح (العالم قرية صغيرة)، إلا أن داخل هذه القرية نمط من أُناس يعتبرون غيرهم غير جديرين بالحياة، أسوة ببقية البشر!

نعم.. هكذا ينظرون في المجتمعات الغربية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإنسان العربي والمسلم بسبب عوامل ومؤثرات لم تأت عفواً، وإنما تكونت بفعل تخطيط مدبر، وهو تخطيط ينمو ويتطور يوماً بعد آخر، إذ يقف خلف استمرارية نمائه وتطوره مجموعة من الآليات والفعاليات التي تدفع به دائماً في ذات الاتجاه، مستغلين العوامل والأحداث الآنية بديناميكية وفعالية لخدمة أهدافهم، وفق خطط مرسومة.

وبرغم أن هناك العشرات بل المئات ممن دقوا نواقيس الخطر محذرين العرب ومبينين لهم كيفية اتباع التخطيط السليم للوقوف بوجه مكامن ذلك التيار الخطير، حيث قُدمت الأطنان من الدراسات، وظهرت العشرات من المؤلفات، سواء من العرب أنفسهم، أمثال: إدوارد سعيد، وجاك شاهين، ورنا قبّاني.. وغيرهم من المتخصصين في هذا المجال، أو من الغربيين، أمثال: (بندلي).. وغيره من المنصفين من الأجانب.. ولكن بكل أسف لم تتم الاستفادة من كل ما قيل وكُتب، وظلت صورة الإنسان العربي والمسلم تتناقلها وسائط الاتصالات الغربية، وهي تزداد يوماً بعد يوم من سيء إلى أسوأ.

فمجرد إلقاء نظرة على ما يصدر من صحف ومجلات ووسائل إعلام أخرى كالراديو والتليفزيون، وما تحمله وتبثه يومياً من برامج إخبارية وتسجيلية، وأحياناً تمثيليات، إلى جانب الأفلام السينمائية التي تُنتج سنوياً مكرسة موضوعاتها المناوئة للعرب والإسلام، وكلها أمثلة حية ماثلة للعيان، لتعطي الدليل القاطع على استمرارية ونمو تلك الصورة الشوهاء والتي اختُتمت بالفيلم الكارثي المسيء لنبي الإسلام.

وإذا تركنا وسائط الإعلام، واتجهنا ناحية الكتب المدرسية، وخاصةً في المراحل الابتدائية والثانوية التي يدرسها ناشئة الغرب، فسنجد أن مضامين تلك الكتب تُكرس في مفاهيم الطلاب ومنذ نعومة أظفارهم تنميط تلك الصور الشوهاء عن تاريخ العرب والإسلام مستندة إلى عدة عوامل، يرجع البعض منها إلى عهود الحروب الصليبية وما خلفته من عداوات ضد العرب والمسلمين، إضافة إلى معلومات مشوشة أخرى استخلصوها من كتب العهد القديم، كما استندوا – عمداً– على تلك الأحداث الخيالية التي حفلت بها أحداث قصص ألف ليلة وليلة، باعتبارها حقائق تمثل التاريخ العربي!

إلى جانب ما كتبه المستشرقون من دراسات غير منصفة، وخاصةً أولئك الذين عاشوا في بلاد العرب وكتبوا عنهم وفق أهوائهم، مثلما فعل لورانس العرب في أعمدة الحكمة.

وتقتضي خطة عمل تشويه العرب السير في عدة اتجاهات لتحقيق أهداف محددة، فعلى سبيل المثال: فمنذ سنوات تجري مفاوضات بين بعض الدول العربية التي سارت في اتجاه ما بعد كامب ديفد، وإسرائيل تحت رعاية الولايات المتحدة.. ففي هذه الحالة فإن تلك الماكينة الإعلامية تتحرك بكل آلياتها في الاتجاه الذي يعمل على تطويع الرأي العام لمناصرة وجهات النظر الإسرائيلية من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن الحملات المحمومة تستعر في الاتجاه المعاكس لحق العرب.



ومثال آخر: فعندما كانت حرب (73) دائرة، ظهر العرب في وسائل الإعلام الغربية والأمريكية بأنهم ليسوا متخلفين فقط، بل إنهم لم يبذلوا جهداً لتحسين أوضاعهم، فهم مجرد سكان صحارى، وقد أكدوا على تلك الصورة ليأتي الربط بين الصحراء والنفط.. لكي يكون هذا التزاوج – بين الصحراء والنفط – منعكساً على المقاطعة التي اتخذها العرب – آنذاك – والتي أدت إلى زيادة أسعار النفط.. وقد عبّر عن ذلك المفهوم – في حينها – كاريكاتير يظهر شيخاً عربياً يمسك صهريجاً بترولياً، وكأنه يوجه بندقية إلى صدور المستهلكين الأمريكيين.

أما إذا رجعنا إلى الأربعينيات من القرن الماضي، لنلقي نظرة على ما كان يسود فيها من تخطيط إعلامي يستهدف تكريس استعداد الرأي العام لاستقبال دولة إسرائيل التي لم تنشأ بعد، فسنجد أن بذور الكراهية ضد العرب والمسلمين، قد أينعت ثمارها منذ ذلك الوقت!

ففي عام (1944) كانت وكالات الرأي العام في أمريكا تطرح أسئلة تحمل مضامين تلك التهيئة، ليستقبل الرأي العام دولة إسرائيل بالعطف والتكريم، فعلى سبيل المثال كانوا يطرحون السؤال التالي:

(هل تعتقد أنه يجب منح اليهود فرصة للاستيطان في دولتهم التاريخية إسرائيل، باعتبارها الآن أرضا بلا شعب، واليهود شعب بلا أرض.. والكتاب المقدس قد نصّ على أرض الميعاد!).

سؤال كهذا وُضع بعناية مدروسة ومركزة، ليجعل من إجابات المستفتين تسير في اتجاه واحد لصالح اليهود فقط.. متجاهلين شعب فلسطين وكأن أرض فلسطين ليست جزءاً من الوطن العربي!

أما بعد كارثة (67) عندما تمكنت إسرائيل من احتلال الضفة الغربية ومنطقة سيناء ومرتفعات الجولان وأجزاء من جنوب لبنان.. ما إن تم لها ذلك حتى نشطت شركات الرأي العام في أمريكا بطرح أسئلة تكرس اتجاه الاحتلال والاحتفاظ بالأراضي المحتلة.. مثل السؤال التالي:

(هل تجوز إعادة الأراضي اليهودية للعرب بعد أن ضحوا بأرواحهم من أجل تحريرها من العرب الغزاة لها؟).

وبعد هذا السؤال مباشرة يأتي سؤال آخر هو (هل عواطفك كأمريكي مسيحي مع المظلومين اليهود.. أم مع المجرمين العرب؟).

فتكون الإجابات بنسبة مئوية عالية، وكلها تريد الاحتفاظ بالأراضي المحتلة لليهود، رغم قرارات الأمم المتحدة، بسبب ذلك التعاطف الكبير الذي تبرزه إجابات المستفتين، وتقوم شركات الرأي العام بنشره باعتباره حقائق ليست قابلة للشك أو التبديل.

أما إذا اتجهنا إلى هوليود التي تُخرج سنوياً مجموعة من الأفلام تُنتَج خصيصاً للنيل من العرب والإسلام، فسنقف أمام نموذج لفيلم أُنتج في الثمانينات، فحواه:

(شيخ عربي اسمه (كيمبر) عبد الرحمن، يملك شركة مزورة اسمها شركة كيمبر المتحدة، يقوم من خلالها بنشاط مدمر داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يرشو عملاء يشتغلون في الحكومة الفيدرالية الأمريكية، ويدفع مئات الألوف من الدولارات لشراء نواب من الكونجرس الأمريكي، ويمكن من بناء فنادق، ومحلات للعب القمار، ويظهر الفيلم الشيخ (كيمبر) وهو يتمتع بثراء فاحش، ويستخدم النساء الجميلات لإقامة الليالي الحمراء في بيته، لاجتذاب كبار الساسة، وخاصةً نواب الشعب الأمريكي للتأثير عليهم، حتى يتمكن هذا الشيخ العربي المسلم من فرض سيطرته وهيمنته على الشعب الأمريكي!).

بل حتى أفلام الكارتون التي تقدم للأطفال، قد استخدمت هي الأخرى كما حدث في فيلم (علاء الدين) الذي أنتجته منذ سنين مؤسسة والت ديزني.. وفيلم PRINCE OF EGYPT اللذين يظهر فيهما أن اليهود هم بناة الأهرام وصناع الحضارة المصرية القديمة.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.