.
.
.
.

العراق مجدداً ودائماً ومتى يكون النسور في بغداد؟

مهند مبيضين

نشر في: آخر تحديث:
لم يبخل العراق على الأردن، والأردن كذلك وشعبه، بادلوا الوفاء بالوفاء، والعطاء بالصبر مع العراقيين على وجعهم، لكن عراق الأمس ليس موجودا، واليوم لدينا بلد متعدد وديمقراطي، ومهما قيل عن نفوذ إيراني فيه، وهو قول فيه شيء من التضخيم لعلاقة البلدين، فنحن معنيون فقط بمصالحنا مع العراق ومع شعبه الطيب، والعراق أيضا غير مضطر لأن يعادي جاره التاريخي إيران، لكي يُرضي العرب.

في الأسبوع الماضي، وبعد قرار الحكومة برفع الأسعار بيومين أتيح لنا رؤية الرئيس جلال طالباني، في مقره بالشمال قرب بحيرة دوكان، وذلك أثناء مشاركتنا بمهرجان كلاويز السادس عشر للثقافة، ومنذ البداية قدم المشاركون الأردنيون من أدباء وكتاب وأكاديميين جملة أسئلة للرئيس طالباني، الذي رفض كل ألقاب الفخامة والسيادة مصرا على أنه تركها خارج القاعة، وكان حديثه عندما سألناه عن دعم العراق للأردن في غاية الودّ والمحبة والتقدير لوطننا وشعبه وقيادته، لكن طالباني اشتكى العرب، والمح إلى أن من يحاصر الأردن هو من يحاصر العراق، في ديمقراطيته وتعدديته، وهو محق في ذلك، وسرد أمثلة غاية في الأهمية، فحين أجاب الزميلَ حازم مبيضين عن سؤاله، قال: «يا أخ حازم إذا نبيل العربي بحكي معك، فهو يحكي معي» مبيناً أنه وهو رئيس القمة العربية دوريا، إلا أن رئيس الجامعة العربية لا يتواصل مع العراقيين بالشكل الواجب.

وأيدّ المثقفون العراقيون موقفنا من الدفاع عن العلاقة الصحيحة التي يجب أن تكون مع العراق، وهي علاقة ذات أصول وعمق كبيرين، والأكراد أيضا هم أصحاب شراكة مستقبيلة مع الأردن ويجب البناء عليها في ضوء الفرص المتاحة والممكنة للأردنيين هناك، وفي ظل ترحيب الأكراد للأردنيين بشكل لافت.

بعد الخروج من مقر الرئيس طالباني، همس بأذني مثقف عراقي كان معنا قائلا: أخي مهند ما حدث لا يمكن أن يغير كثيرا، فوفق النظام السياسي الحل في بغداد، ويجب أن يزورها وفد اقتصادي وسياسي ومعه نقابيون لفتح الآفاق مجددا وبشكل استراتيجي»، وأشار الزميل إلى أن المزاج الشعبي في الأردن لابدّ وأن يراعي شكل العراق الجديد، ذلك أن بعض من الأردنيين الأيدلوجيين ما زالوا على هواهم القديم، ولكن الدنيا تبدلت، والعلاقة المصلحية والأخوية تفترض أن لا نختصر المستقبل بين الشعبين بشخص رئيس رحل رحمه الله.

المهم أن التحرك نحو العراق يجب أن يكون بمستوى عالٍ، وقد أرسل العراق لغاية الآن رسائل ايجابية عدة، وأظن أن رئيس الحكومة الدكتور عبد الله النسور يدرك معنى بناء علاقة إستراتيجية مع العراق بغض النظر عن العملية السياسية هناك، أو تجاذبات العراق المصلحية مع جيرانه.

ما قلناه للرئيس طالباني: ان العراق الذي يشهد تحولا جديا نحو الديمقراطية- وكذلك الأردن- سيحارب أكثر وأكثر، والمستقبل لن يكون سهلا، لكن التوافق والمصالح بين البلدين والثقافة العالية بين الشعبين، تجعل الأردنيين يقبلون بكل ما يأتي من العراق من خير وحتى العتب، لأن العراق باقٍ في الوجدان، وفي عمقه الحضاري، وفي ذاكرة نخبنا التي تعلمت به ونهلت من علمه، وفي ذاكرة جيلنا ممن تعلموا على يد العراقيين الذين أقاموا في جامعاتنا بعد حرب الخليج الثانية، ما يجعل بغداد أول الجهات التي يجب شدّ الرحال إليها حين تضيق الدنيا علينا، وبالتالي التسوية الثقافية متاحة ومعبدة بين الشعبين، ويفترض بين الحكومات كذلك!.


*نقلاً عن "الدستور" الأردنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.