.
.
.
.

كيف يفوز الأطرش والمطنش

جعفر عباس

نشر في: آخر تحديث:
نعم هناك قوم اختصوا بتقليم أظافر الآخرين وإصابتهم بالإحباط، وعلى من يريد النجاح في الحياة أو تحقيق غاية وطموح ما أن يسمو فوق شماتة الشامتين وضحكات المستخفين بمساعيه..

من يدخل منتديات الانترنت الخليجية والسعودية يعجب كيف لم يجد عشرات المبدعين ذوي المواهب الناضجة السبيل الى الصحافة المطبوعة.. لا شك ان كثيرين منهم حاولوا توصيل إنتاجهم الى مختلف المطبوعات ولكنهم قوبلوا بالتجاهل لأنهم «نكرات».. مع ان من أصدروا الحكم عليهم بأنهم نكرات كانوا يوما ما نكرات، بل وربما لا يزالون نكرات رغم ان أسماءهم وصورهم تظهر بانتظام في الصحف والمجلات.. فما قيمة أن تكتب إذا لم يكن هناك من يقرأ لك؟ عندما دخلنا جامعة الخرطوم كان هناك شاب هزيل القوام قال لنا من زاملوه في المرحلة الثانوية إن وجوده في الجامعة أمر مريب: أكيد غش في امتحان الشهادة الثانوية أو كان هناك خطأ ما في رصد الدرجات لأنه كان طالبا ضعيف التحصيل الأكاديمي.. وعندما تعرفت عليه أحسست بأنه ضعيف القوى العقلية، فقد كان مشتت الذهن.. يبدأ معك الحديث ثم لا يكمل الجملة الأولى، أو يستوقفك في أحد ممرات الجامعة صائحا «دقيقة من فضلك»، وتتوقف.. ولكنه يمر بجوارك حتى دون ان ينظر اليك.. (لاحقا وبعد ان قرر الزواج حرصنا نحن أصدقاءه على محاصرته طوال مراسيم الزواج خوفا من أن يزوغ ويختفي بسبب توهانه وسرحانه الدائم)، وقرر ذلك الطالب، واسمه طه، ان يتخصص في الفلسفة، وشأن معظم ابناء العالم الثالث كنا نحن زملاءه نعتبر دراسة الفلسفة نوعا من العبث ومضيعة للوقت: ماذا ستفعل ببكالريوس الفلسفة؟ تشتغل فيلسوف؟ وحاول الكثيرون إقناعه بدراسة مادة «عليها القيمة» ولكنه طنش كل النصائح وأصرَّ على دراسة الفلسفة، والغريب في المر ان طه هذا كان –حتى خلال محاضرات الفلسفة التي اختارها طوعا- يمضي معظم الوقت يرسم.. نعم فقد كان رساما ناضج الموهبة، ومع هذا نال بكالوريوس الفلسفة مع مرتبة الشرف.. فقرر التخصص (الدراسات العليا) في علم النفس، ولم يكن ذلك متاحا في جامعتنا، فحمل ذلك الطالب مشتت الذهن حقائبه وهاجر الى ألمانيا... تعلم الألمانية (معلومة لوجه الله للشباب الطامح في الدراسة الجامعية في أوروبا: التعليم الجامعي في ألمانيا بالمجان حتى للأجانب شريطة اجتياز امتحان اللغة الألمانية وهناك العديد من الطلاب العرب الذين يجتازون ذلك الامتحان بعد عام واحد يقضونه في المانيا).. المهم ان صاحبي طه هذا نال الماجستير والدكتوراه بامتياز من المانيا وهو اليوم استاذ جامعي يشار اليه بالبنان وعضو مرموق في جمعيات علم النفس العالمية وله دراسات مُحَكَّمة منشورة في كبريات المجلات العلمية الرصينة.

طه هذا مثل الضفدع الذي حكيت لكم على مدى الأيام الأربعة الماضية كيف نجح في تسلق عمارة شاهقة رغم شماتة الشامتين لأنه اطرش وبالتالي لم يسمع الكلام المحبط الذي كان يصدر عمن جاءوا ليروا كيف يفشل ضفدع هزيل في عمل «أكبر من إمكاناته».


*نقلاً عن "اليوم" السعودية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.