.
.
.
.

بوصلة المستقبل في اتجاه الدولة المدنية

جاسر عبدالله الحربش

نشر في: آخر تحديث:
بالإضافة إلى هذا النوع من الحكومات الإيديولوجية في إيران والسودان والعراق تلوح في الأفق بوادر المزيد من الحكومات الإيديولوجية، وتحديدا ً العقائدية المذهبية. في مصر وتونس وليبيا وسوريا تدل أغلب المؤشرات إلى قدوم حكومات ثيوقراطية مذهبية. المشترك بين هذه الأنواع من الحكومات / الدول هو اعتمادها الإيديولوجيا العقائدية كفناء أو مكان تجميع عام أولا، ثم الفرز المذهبي كإصطفاء تخصصي ثانيا، ثم الولاء الحزبي لنخبة أقلية تدين بالولاء المطلق للولي الفقيه أو المرشد العام أو خليفة الله في الأرض، لتتربع وتستمتع بالتحكم في الأغلبية.

على كل حال، بل وفي كل الأحوال، بوصلة التطور الحضاري البشري تشير دائما ً إلى اتجاه واحد حتى لو اضطربت اهتزازاتها بين الحين والآخر، وهو نفس الإتجاه الذي لم يتغير منذ انتقل البشر من معازل الكهوف إلى التجمعات العائلية، ثم القبلية فالقروية فالمدينية، وصولا ً إلى الدولة المدنية الديموقراطية المحكومة بقوانين التراضي واستقلال السلطات. سهم الزمن الذي يحدد المسيرة البشرية، تفاديا ً للإفناء المتبادل، كان يشير منذ بدايات التجمعات السكانية نحو الدولة المدنية، رغم النكبات والحروب والانتكاسات التي مرت بها القوافل الإنسانية.

كل الدول المستقرة في المجتمع الصناعي الحديث تحمل صفة الدولة المدنية، التي نقيضها الدولة العقائدية / المذهبية / الإيديولوجية. حتى الدول المتطورة صناعيا ً (الصين) أو القوية عسكريا (روسيا) أو المتمتعة بثروات طبيعية فائضة (الدول الريعية) عليها أن تتحسب لاحتمالات عدم الاستقرار حينما تعتمد في إدارة شؤونها على الولاء الإيديولوجي / العقائدي كضامن أساسي للاستقرار. الدولة المدنية هي التي تتعايش مكوناتها السكانية بالتراضي والانسجام بين تنوعاتها الجغرافية والمذهبية والتراثية برعاية وتشجيع من السلطات الثلاث في الدولة. الدول التي تفرز وتصنف مكوناتها السكانية بناء على الولاءات الجزئية، فتقدم هذه وتؤخر تلك على حساب الكفاءة والنزاهة، ليست دولة مدنية، ويمكن بسهولة إيجاد المسمى المناسب لها بإجراء استفتاء محايد بين السكان.

مع نهايات النصف الأول من القرن العشرين تخلصت كل الدول العربية تقريبا ً من الاستعمار المباشر، وتسلمت مقاليد الأمور فيها حكومات سمت نفسها «حكومات وطنية». لم تستمر شهور العسل طويلا ً بين الحكومات العربية الوطنية وشعوبها، وبالمجمل تبدلت الأحوال المعيشية والمعنوية إلى الأسوأ. كانت الأمور أيام الاستعمار المباشر تعتمد فرض الطاعة بالقوة وتسليط النخبة الأوليجارشية على الأغلبية للنهب والاستحواذ، وعلى فرض الحصار على طموحات الحقوق المدنية والشخصية. بعد زوال الاستعمار استمرت الأمور على ماهي عليه مع حدوث ما هو أسوأ من ذلك. هل يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ من تسلط البعض على الكل ومحاصرة الحريات المدنية والشخصية للشعوب؟. نعم الأسوأ هو إدخال المذاهب والأعراق والتنوعات التراثية والجغرافية في المخططات والألاعيب السياسية. حاولت كل أنواع الاستعمار طيلة أربعة قرون أن تلعب بهذه الأوراق على شعوب المستعمرات ولم تنجح. صحيح أنها حققت نجاحات جزئية على مستوى تأجيج الصراعات بين الزعامات التقليدية مع بعضها، لكنها لم تستطع التغلغل إلى داخل الهويات الشعبية الأصلية الجامعة، الدين الأساسي غير المتمذهب واللغة الأم والجغرافيا الطبيعية.

أين وصل العرب اليوم بأوضاعهم الحالية المضطربة في تطلعاتهم إلى تحقيق الاستقرار الوطني المعتمد على التراضي والانسجام بين تنوعاتهم الثرية؟. قبل سنتين تقريبا ً هبت رياح الاحتجاج الشامل في أكثر من مكان، وكان المنطقي باستقراء المسيرات التاريخية التي فرضت نفسها عند شعوب وأمم أخرى، أن الطموحات سوف تقتلع الأنظمة التي خانت أماناتها الوطنية لتستبدلها بحكومات التراضي المدنية المستقرة. لا يبدو، لشديد الأسف أن الأمور سوف تسير بهذا الاتجاه التعايشي، بل سوف تسير بطريقة استبدال المتشابهات في النتائج المختلفات في المظهر. من يصبر رجبا ً يزداد عجبا ً من قدرة بعض الأمم على التكرار والتدوير.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.