ديكتاتور ومجنون أيضا

أنس فودة

نشر في: آخر تحديث:
بالعقل، لا أستطيع أن أفهم كيف يستقيم لديكتاتور أخطر من هتلر وموسولينى أن يدعو الناس للاستفتاء خلال خمسة عشر يوما على دستور يطيح بالضربة القاضية بكل صلاحياته الإلهية!.

سهرت ليلة السبت على قراءة المسودة النهائية، وللعجب رأيت دستورا يسقط مباشرة كل الإعلانات الدستورية التى سبقته، وينقل سلطة التشريع التى يحوزها الرئيس مؤقتا إلى مجلس الشورى القائم لحين انتخاب مجلس النواب (البرلمان الجديد) خلال شهرين من إقرار الدستور، ثم يحل مجلس الشورى ذات الأغلبية الإسلامية ليعيد تشكيله من جديد فى وقت يكتسب فيه معارضو الرئيس وحزبه زخما أكبر فى الشارع، ثم هو ينقل كثيرا من صلاحيات الرئيس إلى رئيس الوزراء، ويجبره ألا يختار الأخير إلا بموافقة أغلبية مجلس النواب، ويغل يده عن اللعب بالسلطة التشريعية، فإن هو قرر حلها رجع إلى الناس واضعا استقالته فى كفة وحل البرلمان فى كفة أخرى وعلى الناس أن يختاروا.

والأدهى أن الدستور يتيح محاكمته إذا قرر ثلثا أعضاء البرلمان ذلك، ويجعله تحت رقابة دائمة ولصيقة من البرلمان بغرفتيه، النواب والشورى، فإقرار ذمته المالية يناقش سنويا علنا، ولا يستطيع أن ينفرد وحده بتعيين رئيس هيئة مستقلة أو رقابية.

بحسابات المكسب والخسارة إذن سيخسر الديكتاتور مرسى سلطة التشريع والقرار المنفرد والصلاحيات التنفيذية الواسعة والأغلبية التى كانت تسانده فى مجلس الشورى، وسيضع نفسه تحت رحمة الجماهير التى قد تختار له غرفتى برلمان تحرمانه حتى من حرية الحركة والتنفس - وقد تحاكمه- دون أن يملك إلا التفاوض معهما أو الاستقالة، فلماذا إذن يستعجل تلك الخسائر وهو الذى ضحى بالكثير من شعبيته من أجل ما يقولون إنه نهم للانفراد بالسلطة وديكتاتورية لم يشهد التاريخ مثلها.

هناك أسئلة أخرى، يمكن طرحها على الرجل كرئيس «إسلامى» حمله إلى الكرسى تيار له أجندته المعروفة، فلماذا وقد انسحب من التأسيسية المنسحبون، أبقت مسودة الدستور على مواد تمنح المواطنين الأقباط لأول مرة فى التاريخ حقهم المشروع فى بناء كنائسهم دون انتظار توقيع الرئيس؟ ولماذا أقرت لهم بالاحتكام إلى شرائعهم؟ ولماذا أعطت ذات الحقوق لليهود؟ ولماذا اعتبرت الحرية الشخصية مصونة لا تمس رغم أن «الكفرة والليبراليين» قد يسيئون استخدامها؟ ولماذا لم تترك منفسا لإقامة جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ وقبل ذلك كله أين ذهبت المواد المذيلة باللازمة الذهبية «بما لا يخالف شرع الله»؟.

أعرف كثيرا من أصدقائى لم يقرأوا المسودة ولن يقرأوها وهم ينتظرون حاليا أن يخرج عليهم الدكتور البرادعى والأستاذ حمدين بقائمة الأسباب التى من أجلها سيرفضون هذا الدستور ويصوتون ضده، ولكن هل أطمع منهم أن يطالبوا الرجلين –بالمرة- بإجابة سؤال: لماذا صار مرسى ديكتاتورا ومجنونا أيضا؟.



*نقلا عن صحيفة "الصباح" المصرية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.