المصريون بين الفوضى والفساد

فاروق جويدة
فاروق جويدة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
9 دقائق للقراءة

كانت المليونيات أجمل ما ظهر في ثورة يناير ولكنها مع التحول الشديد وعمليات الاستقطاب في الشارع المصري تحولت إلى لعنة لا أحد يعرف حتى الآن إلي أين تحملنا خاصة بعد ان قسمت المجتمع المصري وشطرته إلى نصفين لا يمثلان الحقيقة نصف في يده السلطة يرفع راية الإسلام ونصف آخر يأخذ موقف المعارضة يرفع راية الوطن.. وكان من الخطأ الشديد ان تتعارض في بلد واحد وشعب واحد قيم العقيدة والمواطنة خاصة ان مصر قامت طوال تاريخها على احترام الأديان وتقديس مفهوم الوطن ومعني المواطنة.

وانعكست هذه الرؤي القاصرة على مواقف الكتل السياسية في الشارع المصري وكان النموذج الأوضح لهذه الخلافات التي وصلت إلى درجة الصدام ما حدث في قضية إعداد الدستور وما حدث في الإعلان الدستوري الأخير وما أحاط به من ملابسات ورفض.. كان الخلاف الأساسي منذ البداية حول تشكيل جمعية إعداد الدستور وانتقل إلي أعضائها ثم انتقل إلي نصوص الدستور ومحاولات فرض وجهة نظر واحدة علي كل ما جاء فيه..

ثم جاءت معركة الإعلان الدستوري وكان من الممكن ان يتسع صدر الجميع السلطة والمعارضة لحوار جاد حول ما جاء في الإعلان ولكن السلطة دخلت دائرة العناد والمعارضة أصرت على الرفض وحتى هذه اللحظة كانت إمكانيات التفاهم ممكنة, ولكن الذي حدث ان كرة النار القيت في الشارع من الطرفين دون أي اعتبار لخطورة ما حدث.

فجأة وبلا مقدمات وجد المصريون جميع مؤسسات الدولة وقد تناثرت في الشارع وأصبح القرار في يد جماهير غاضبة تحركها مشاعر متناقضة وهنا كانت الجريمة الأكبر في هذا الحشد الجماهيري والذي قسم المصريين إلي فريقين تحت مسميات كثيرة ما بين الإخوان والسلفيين في جانب والليبراليين في جانب آخر, وتسلل الدين مرة أخري لنجد فريقا يدعي أنه يحمي حمي الإسلام ويطالب بالشريعة ويتهم معارضيه بأنهم ضد الإسلام وضد تطبيق الشريعة.. وأمام مجتمع نصفه لا يقرأ ولا يكتب, وامام ملايين لا تجد طعاما ولا سكنا كان من الخطأ الشديد إشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد بهذه الصورة الهزلية وتقسيم المواطنين بهذه الصورة الفجة.

كان من الممكن ان يبقي الخلاف والصدام بين الفريقين المتصارعين في دائرة الحوار ما بين سلطة القرار والمعارضة, ولكن الجميع لجأ للشارع يطلب العون والمساندة ويستعرض المزيد من القوة.. في تقديري ان مليونيات الثورة تختلف كثيرا عن مليونيات الصراع والانقسام التي نراها الآن, كانت مليونيات الثورة تأكيد الوحدة شعب وكانت مليونيات الصراع تأكيد للفتنة الكبري وشتان بين شعب وحدته ثورة وفرقته المطامع.

هنا جاء دور الاستعراضات الجماهيرية بين القوي السياسية وكل منها يعرف مناطق ضعفه وقوته وقد ظهرت في الشارع المصري في الأيام الأخيرة مخلفات العهد البائد حيث سيطرت مرة أخري علي المشهد السياسي لغة الضغط بالحشود الجماهيرية وإقصاء الرأي الآخر, والإصرار علي الخطأ وهنا كاد المشهد يصل إلي درجة الصدام الدامي ما بين ميدان التحرير وميدان عابدين.. ومابين جامعة القاهرة وحشود أخري وما حدث بين الفريقين في سيدي جابر وميدان إبراهيم باشا في الإسكندرية وما شاهدناه في دمنهور والمحلة.. كل هذه المشاهد كانت تؤكد اننا نقترب كثيرا من حالة انفلات أمني قد تعجز مؤسسات الدولة عن مواجهتها رغم انها منذ البداية كانت تحتاج إلي حوار وتبادل وجهات النظر وان الحريق الذي يمكن ان يشتعل في أية لحظة يمكن ان نطفئه من البداية..

اقول.. إن أخطر ما يواجه مصر الأن ان يحكمنا الشارع وتفقد مؤسسات الدولة سيطرتها في لحظة ما أمام هذه الحشود.. إن هذا يذكرنا بشخص اشتري اسدا صغيرا وقام بتربيته في بيته ينام إلي جواره ويلعب مع أطفاله ونسي ان الأسد يكبر ويتغير وتظهر فيه علامات أخري وذات يوم جاع الأسد ولم يجد أمامه غير أحد الأطفال فانقض عليه وأكله.. هذه الحشود التي جاءت من أعماق الريف تحملها اللوريات والسيارات وتم تلقينها بعض الشعارات الدينية وشاهدت المشايخ الذين تراهم علي الشاشات يمكن ان ترفض في لحظة ما كل هذه المشاهد.. انها تؤمن بدينها ولكن حين تجوع سيكون الدين رغيف الخبز والعدالة وليس خطب المشايخ وصراخ الحواريين, هذه الحشود صبرت علينا الآن عامين كاملين وربما صبرت شهورا أخري ولكنها سوف تقف في المصانع والشوارع والحقول بعد ان تفيق من سكرة الشعارات واحتفالات الدستور والإعلان الدستوري لتقول للمسئولين في حزب الحرية والعدالة والنور والإخوان والسلفيين ماذا فعلتم لنا في ظل حكومة تبحث عن موارد لتمويل الميزانية وتعاني نقصا شديدا في الإمكانات, وامام مطالب فئوية عاصفة واستخفاف دولي وعربي لتقديم الدعم الاقتصادي لمصر, وامام مجتمع تحول نصفه إلي مليونيات دينية والنصف الآخر إلي مليونيات ليبرالية سوف يقف فقراء هذا الشعب وسكان العشوائيات ويسألون المسئولين في مؤسسات الدولة ماذا فعلتم لنا؟!.
.
هنا فقط سوف يدرك الذين جمعوا هذه الحشود وجاءوا بها إلي القاهرة وأطلقوها في كل العواصم في الأقاليم ان الأسد لم يعد مستأنسا واليفا كما كان..
هذه هي المعادلة التي أخاف منها الآن ان النخبة المصرية الدينية والليبرالية تلعب بالنار وهي لا تدري لأن هذه الحشود لن تصبر كثيرا.. في العهد البائد كانت هذه الحشود تعاني كثيرا, ولكن كان هناك نظام مستبد يلقي بها في المعتقلات والسجون, وكان أحيانا يلقي لها بعض ما بقي علي موائد اللصوص من الفتات, وفي أحيان كثيرة كانت هذه الحشود تعيش في غيبوبة جميلة من الوعود والشعارات والفن الهابط مع إدمان طويل للسذاجة والأمية وغياب الوعي..ان ما حدث في ثورة يناير أيقظ هذا الشعب من ثبات عميق فلن يقبل حاكما مستبدا ولن يرضي ان يعيش علي فتات يلقيه اللصوص ولم يعد فاقدا للوعي كما كان..وقبل هذا كله نحن امام أجيال جديدة من الشباب الثائر جربت طعم الحرية ولن تقبل الهوان مرة أخري..

هذه الحشود المليونية هي التي نجحت بها الثورة ولكن للأسف الشديد انها يمكن ان تأخذ مسارا آخر وقد فعلت, وساعتها لن تسمع طلقات التحذير أو صرخات الرفض والاستنكار, انها الحشود التي ذهبت ودمرت في محمد محمود وحاصرت المحكمة الدستورية ومنعت القضاة من إصدار الأحكام وهي نفسها التي جاءت بالإخوان والسلفيين إلي السلطة ولكن حين تعجز السلطة عن مواجهة مشاكل هؤلاء الناس سوف تكون السلطة أولي ضحاياها.. فلا ينبغي ان نبالغ بتشجيع الحشود أو التنافس لجمعها تحت أي شعار لأنها قد تكون اليوم لنا..ولا أحد يعرف غدا ربما كانت علينا.. ولهذا لا يعقل ان تكون هذه هي نهاية الرواية أو ان نجد أنفسنا بين خيارين كلاهما مر..إما فساد نظام رحل.. أو فوضي نظام لا يستطيع حماية مواطنيه ويغرقهم في الانقسامات والفتن.

لابد ان نعترف اننا امام صراع سياسي أبعد ما يكون عن الدين وقدسيته ولهذا ينبغي ان نضع ضوابط وحسابات للحشود الجماهيرية والمظاهرات الصاخبة التي يتم جمعها تحت شعارات دينية هي في حقيقتها دوافع سياسية حتي لا نجد أنفسنا يوما امام مطالب مستحيلة لهذه الحشود إذا كان البعض يستخدم الدين الآن كوسيلة ضغط علي التيارات الأخري فربما جاء الوقت ليجد الجميع أنفسهم امام دعاوي دينية تتجاوز كل الحسابات.

*نقلاً عن" الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط