.
.
.
.

مشعل في غزة عن السياق والنتائج

عريب الرنتاوي

نشر في: آخر تحديث:
تعود فكرة زيارة غزة لأكثر من عام مضى، لكن ظروفاً أمنية بامتياز، حالت دون وصول خالد مشعل إلى القطاع لأول مرة في حياته..بعد اتفاق التهدئة الذي أنهى حرب الأيام الثمانية على وجه الخصوص، بدت الزيارة ممكنة، بل و”آمنة نسبياً”..ونقول “آمنة” لأن المخابرات المصرية ما كانت لتسمح لمشعل بأن يجازف بالذهاب إلى غزة من دون “ترتيبات مسبقة” مع الجانب الإسرائيلي، ونقول “نسبياً” لأن أحداً ما زال “في رأسه ذرةً من عقل”، لا يمكن أن يأمن للجانب الإسرائيلي.

كان من المفترض أن يرافق مشعل وفدٌ قيادي كبير من حماس في هذه الزيارة التاريخية..لكن هل كان من الحصافة المقامرة بجمع قيادة حماس في الداخل والخارج تحت سقف واحد، أو بالأحرى تحت مرمى قذيفة واحدة..وكان من الممكن للزيارة أن تكون “ثنائية” بانضمام زعيم حركة الجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلح إليها، ولكن وجود مشعل وشلح في مكان واحد، من شأنه إسالة لعاب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ويغريها لمقارفة خرق “جسيم” للتهدئة، لذل جاءت “النصيحة” المصرية الحازمة: تذهبا سويةً.

مشعل اختار أن يذهب لغزة منفرداً، من دون أن يستظل بعباءة هذا الأمير العربي أو ذاك الرئيس الإقليمي، ومن دون أن يصطحب معه هذا الوزير أو ذاك الموفد مع أن عروضاً قد هبّت من عواصم عدة ومحاور مصطرعة...الزيارة فلسطينية بامتياز، حمساوية بالأساس، وما كان ينبغي لأجندتها أن تختلط بأي من أجندات الإقليم وحساباته، وما كان لرئيس حماس أن “يحتمي” بهذا أو ذاك من القادة والزعماء، فمثل هذا السلوك لو حصل، ما كان ليليق بنصر غزة وصمودها ومقاومتها.

مشعل في زيارته لغزة، سيرمي أكثر من عصفور بحجر واحد: الأول، سيبني على نصر المقاومة في غزة بما يرفع من أهميته ويعظم من نتائجه، وبصورة تكرس حماس التي تحتفل بمرور ربع قرن على انطاقتها، كلاعب رئيس على الساحة الفلسطينية، قادر على صنع انتصارات ومكاسب، وليس استجلاب الحصار والعقوبات فقط، وبما يكفل إعادة ترميم صورة الحركة ومكانتها..والثاني، أن الزيارة، وبعد الأداء الموفق لمشعل وشلح في إدارة ملف التفاوض حول التهدئة، ستكرس مشعل زعيماً لا منافس له في أوساط الحركة ذاتها، وستضع حداً لأحاديث الاستقالة والتنحي، وتغلق “بازار التكهنات” حول من يخلف مشعل في قيادة حماس، وأين ستتجه الحركة من بعده...الآن بتنا نعرف أن مشعل لن يغادر زعامة الحركة، وأن الرجل سيكون مرشحها الرئيس إن لم يكن الوحيد، لولاية جديدة.

ستكون للزيارة تداعيات طيبة على أهل غزة، وتحديداً على حماس وجمهورها وأصدقائها، وهذا أمرٌ لا ريب فيه..لكن النتيجة الأهم التي ستترتب عليها ستتجلى بتفكيك “العقدة الغزاوية” التي اعترضت “منشار المصالحة”...فليس خافياً على أحد، أن “تيار غزة” في حماس، هو الذي تحمل المسؤولية الأولى (وليس الوحيدة) عن تعطيل اتفاق الدوحة ومسار المصالحة..هذا العائق قد يصبح وراء ظهورنا، فور عودة مشعل من زيارته الأولى للقطاع.

حماس (الداخل والخارج) باتت أقرب للمصالحة من أي وقت مضى (ستظل هناك أصوات متطرفة هنا وأخرى نشاز هناك)..حماس المعنية بإدامة التهدئة أطول فترة ممكنة، تدرك أن ذلك متعذر من دون غطاء مصالحة وطنية..حماس الذي راهن بعض قادتها على “دور الربيع العربي في تغيير ميزان القوى الفلسطينية”، باتت أكثر تواضعاً في تقديراتها لما يمكن أن يأتي به الربيع العربي إليها..حماس التي تكاد تنتقل من محور إلى محور آخر، تعرف أن ذلك سيرتب عليها استحقاقات جديدة، يتعذر التعاطي معها، من دون الانضواء في المظلة الوطنية الفلسطينية الجامعة.

سيبقى هناك تيار المستفيدين من الانقسام، من أهل السلطة والثروة، هؤلاء لن يقنعهم أحد بالتخلي عن مكاسبهم وامتيازاتهم وثرواتهم، لكن صوتهم سيخفت وتأثيرهم سيتراجع، بعد زيارة مشعل لغزة، وبعد اتجاه كتلة وازنة من حماس، صوب التهدئة والمصالحة.

ثم أن هناك تطورات على الضفة الأخرى في معادلة الانقسام الفلسطيني، لا يمكن لحماس أن تتجاهلها: أداء الرئيس عباس والسلطة في الحرب الأخيرة على غزة، كان أفضل كثيراً من المرات السابقة، والضفة الغربية أعلنت “المقاومة الشعبية” على الاحتلال طيلة فترة الحرب والعدوان، والرئيس عاد من نيويورك، بنصر سياسي تكتيكي لا يقل أهمية عن نصر غزة العسكري التكتيكي، والرجل برهن أنه يستطيع أن يلج عوالم ويأتي بنتائج، تعجز عنها حماس، تماماً مثلما نجحت حماس في البرهنة على أنها وبعض حلفائها، ما زالوا قادرين على ممارسة المقاومة والصمود والانتصار، فبات من الصعب تفادي لقاء الأنداد المتساوين، في الطريق إلى استرداد المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية.

وأخيراً، ما كان لمشعل أن يطأ أرض غزة، لولا صمود أهلها ومقاومتها للعدوان الأخير، وهو الصمود الذي زخّم وذخّر لهجوم نيويورك الدبلوماسي، فتحية لغزة وهي تكتب فصلاً جديداً في سفر الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

*نقلاً عن "الدستور" الأردنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.