.
.
.
.

الفيلم المسيء

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:
لا شك في أنكم تتذكّرون هذا العنوان، لكن لا تظنوا أنني أقصد الفيلم السخيف المسيء لرسول الله (صلّى الله عليه وسلم)، بل فيلماً آخر، فيلماً واقعياً، صوّرته كاميرا ومايكروفون برنامج قضية «رأي عام» على قناة «روتانا خليجية»، وشاهده ما يفوق المليون ونصف المليون مشاهد، بعد أن وضع على قناة «يوتيوب» لاحقاً، وهو يحكي قصة طفل وصل عمره أثناء عرض قصته إلى 16 عاماً، لكنه يبدو في هيئة نحيلة ومنكسرة، وكأنه لم يتجاوز العاشرة. هذا الطفل طُلقت أمه وأبوه، فحكم القاضي نفقة للطفل 500 ريال، أي ما يعادل 130 دولاراً، فاستكثرها الأب، وقرّر أن يأخذ الرضيع، ويقطع على الأم طريق التكسب منه بـ500 ريال شهرياً - بالمناسبة لو كانت بنتاً فإنه يحكم لها بنصف المبلغ نفقة، وهذا محل حديث آخر - أما كيف سمح القاضي للأب بأن يأخذ رضيعاً من أمه؟

وهل هي من تخلى عنه طالما هو من دون نفقة؟ الله يعلم، الأب تورط في خطة قصيرة المدى، إذ طلبت منه زوجته الثانية أن يعيد الطفل من حيث أتى، فما كان منه إلا أن التفت الى السائق اليمني، الذي كان يعمل تحت كفالته، وقال له: «قم نأخذه الى ملجأ الأيتام إلا إذا أردت أن تأخذه أنت». أخذه السائق الذي يعيل أطفالاً كثيرين، ورباه معهم في ظل فقره، هذه ليست القصة، فالقصة بدأت حين بدأ الطفل يحتاج الى أوراقه الثبوتية، التي أوصلت السائق إلى المحكمة، ووضعته مقابل الأب الذي يماطل ويتهرب ويهدّد.



تحدث الطفل الكبير في التسجيل عن حنان الأب والأم المفقودين، وتحدث أحد المحامين عن حق السائق اليمني في تعويض مالي عن سنوات تربيته للابن - يبدو أن بعض المحامين لا يرون في الإنسان أبعد من نقوده - والسائق اشتكى من طول المواعيد في المحكمة، عودوا بعد سنة، عودوا بعد ستة أشهر، ثم ستة أشهر أخرى، ثم أربعة أشهر أخرى، ومن أنه إذا حكى أسكته القاضي، وإذا حكى الأب سمع له، وعن مبلغ زهيد يعوّض به عن تربيته للطفل يعادل 3 ريالات عن كل يوم. الذي بقي غامضاً هو أن تبق‍ى حال الولد سنين من دون حل، وقد وصلت الى القضاء ولا تتقدم.

هل تعرفون متى تقدمت؟ حين ظهرت في الإعلام، وبُثت أمام الملأ، هنا أصبحت فضيحة كبيرة في حق العائلة أن يعلم الناس أنهم تركوا ابنهم في معية سائق يمني، فهرعوا واختطفوا الطفل، وأخفوه في منزل والده بعيداً، حتى لا يتحدث الى الإعلام، واختفى أيضاً عن مدرسته، وهشّم فتوة العائلة سيارة السائق، كي يعلّموه أنهم قادرون على فعل ما هو أكثر، فخرج السائق في الجزء الثاني من البرنامج يسأل أين الطفل الذي رباه؟

لكنه هذه المرة لا يملك أي حق قانوني، فالطفل عاد الى منزل أبيه، وهل هناك والد يخطف، إنه «كلام عجيب». هذا الطفل كبر بلا نفقة بعيداً والده، ومحروماً من أوراق ثبوتية، تحت مبرر أن «الولد وماله ملك أبيه»، والآن هو يحتجزه ويمنعه عن مدرسته مع من لم يعد يحب العيش معهم فمن يمنعه؟ السؤال هنا أطرحه على القضاء: ترى لو أن هذا الولد الذي يمتلكه الوالد - رماه في الشارع مرة، واحتجزه في المنزل مرة - لو جاءه بعد أشهر، وقد سرق، أو تاجر في المخدرات، أو شارك في عمليات عنف، فهل يسجنه هو أم يسجن أباه؟

*نقلاً عن "الحياة" اللندنية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.